كان وراء تأسيسها وتحديد خطها التحريري

شيطان «الجزيرة» محرّك خيوط الماكينة الإعلامية

يجمع المراقبون على أن حمد بن جاسم كان المخطط الرسمي لسياسات دولة قطر الخارجية منذ انقلاب يونيو 1995، والتي تعتمد في أهم مفاصلها على قناة الجزيرة التي كان بن جاسم يديرها من وراء الستار منذ الإعلان عن تأسيسها في نوفمبر 1996، ليجعل منها أداة ضغط على الدول العربية، ومركزاً للتعاون المباشر مع أجهزة المخابرات الدولية، وتلميع صورة تنظيم الحمدين في واشنطن وبقية عواصم الغرب.

وبحسب المراقبين، فإن حمد بن جاسم هو الذي حدد سياسات تنظيم الحمدين، كما كان وراء تحديد وظيفة قناة الجزيرة التي انطلقت من مشروع أعده شقيقان يهوديان يحملان الجنسيتين الفرنسية والإسرائيلية لتحقيق التطبيع الإعلامي العربي مع الكيان الصهيوني بعد اتفاق أوسلو، وقد تم طرح المشروع على حمد بن جاسم الذي اندفع إلى الشيخ حمد بن خليفة، الأمير الجديد أنذاك، لإقناعه بالمشروع، انطلاقاً منه سيمثل نقطة قوة للحاكم الجديد المنبوذ من جيرانه وشعبه بسبب انقلابه على والده.

وتشير مصادر دبلوماسية عربية إلى أن حمد بن جاسم الذي يكن حقداً على المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين بسبب امتعاضها من انقلاب الابن على والده، هو الذي كان وراء وضع النقاط المحددة للخط التحريري للقناة، كما دعا إلى انتداب صحافيين ومذيعين إما معارضين لأنظمة الحكم في بلدانهم أو مقيمين خارج دولهم ويمتلكون جنسيات مزدوجة، تجعلهم أكثر إقداماً على تنفيذ المطلوب منهم.

مساومة

وقد أشارت برقية دبلوماسية صادرة في نوفمبر 2009، وتم تسريبها ضمن وثائق «ويكليكس» إلى إمكانية استخدام القناة «كوسيلة مساومة لتحسين العلاقات مع بعض الدول وعلى الأخص الدول المستاءة من تقارير الجزيرة»، وأكد دبلوماسيون أميركيون أن سيطرة حكومة قطر على الخط التحريري للقناة حتى إن برامج الجزيرة أصبحت «جزءاً من محادثاتنا الثنائية» وفق البرقية.

وفي دليل آخر على استخدام القناة لأهداف سياسية، لفتت السفارة الأميركية في الدوحة إلى أن رئيس وزراء قطر آنذاك حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني عرض صفقة على الرئيس المصري حسني مبارك، حيث إن بن جاسم قال للسيناتور الأميركي جون كيري إنه عرض على الرئيس المصري صفقة تتضمن وقف البرامج المعادية لمصر على قناة الجزيرة بشرط أن تغيّر القاهرة موقفها من المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، وأشار السفير إلى أن «مبارك لم يرد بحسب رئيس الوزراء القطري».

وجاء في برقية بتاريخ 30 نوفمبر 2009 أنه «بحسب الأدلة ووفق ما أكده عاملون سابقون في الجزيرة، فإن صورة الولايات المتحدة باتت أكثر إيجابية (على الجزيرة) منذ تولي إدارة أوباما السلطة».

وتحدثت الوثيقة رقم 432 بتاريخ الأول من يوليو 2009 عن اللقاء الذي استغرق 50 دقيقة بين حمد بن جاسم وفريق قناة الجزيرة والذي أسهب فيه بن جاسم في الحديث عن السياسة الخارجية القطرية في عدد من الملفات بما فيها المصالحة الفلسطينية وعملية السلام، ولم يدّخر جهدًا في شن هجوم شرس على مصر وسياساتها بشكل مباشر وغير مباشر، وقد قام السفير الأميركي لاحقاً بتحليل اللقاء ليستنتج أن «الجزيرة» أداة في يد القطريين يستخدمونها كيفما يشاؤون لخدمة مصالحهم على حساب قوى أخرى بطبيعة الحال.

وبحسب الوثيقة رقم 677 بتاريخ 19 نوفمبر 2009 تم التأكيد على جزئية تكليف بن جاسم، لقناة الجزيرة بعد اجتماعه بعدد من المسؤولين الإسرائيليين والأميركيين، ببث كل ما يذكي نار الفتنة في الشارع المصري، وليس الأهم هو ما بين الشعب والنظام، لكن ما بين المصريين أنفسهم كشعب.

وقبل الاضطرابات التي شهدتها دول عربية عدة في ظل ما سمي بـ «الربيع العربي» منذ العام 2011، نقلت وثيقة سرية أميركية عن مسؤول في جهاز الموساد الإسرائيلي قوله أن «الجزيرة قد تكون سبباً في حرب جديدة بالشرق الأوسط».

خلية

وكشفت وثيقة أخرى مسربة من «ويكليكس» أنه في نهاية العام 2007 التقى رئيس الموساد السابق مائير داغان مع مساعد رئيس الوكالة الأميركية للأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب فرانسيس تاوسند، ونسبت الوثيقة لداغان قوله إن «قطر تشكل مشكلة، إذ إن أمير قطر الشيخ حمد يثير غضب الجميع»، وأضاف باسماً أن «الجزيرة ستكون السبب للحرب المقبلة في الشرق الأوسط».

في ذات السياق، قال مراسل قناة الجزيرة السابق محمد فهمي، والذي سبق اتهامه في القضية الشهيرة المعروفة إعلامياً بـ «خلية الماريوت»، إن الإعلام المصري يركز في تغطيته للحرب الباردة بين جمهورية مصر العربية ودولة قطر على الأمير الشاب تميم ووالده حمد بن خليفة، وعلى قناة الجزيرة التي أصبحت مفضوحة للعالم بكونها بوقاً للجماعات الإرهابية، وذراعاً مهمة لوزارة الخارجية القطرية حسب ما كشفت الوثائق التي كشفت النقاب عنها مؤسسة هوربوست الإعلامية أخيراً، لكن ليس بوسعنا أن ننسى «حرامي الدوحة» الشخصية الغامضة للغاية والتي تُعد من أغنى وأخطر الشخصيات القطرية، وما زال رغم الادعاءات بابتعاده عن مقاعد السلطة يحرّك خيوط الدولة وماكينتها الإعلامية بامتياز.

وتابع فهمي في مقال نشره موقع «هوربوست» البريطاني: «من سوء حظ حمد بن جاسم أنني التقيت في لندن بعدوه اللدود فواز العطية المتحدث الرسمي السابق لوزارة الخارجية القطرية، والذي يعتبر الصندوق الأسود لأسرار النظام القطري، كونه عمل مع حمد بن جاسم، وسافر معه حول العالم في طائرته الخاصة، وكانا شركاء في تأسيس قناة الجزيرة سنة 1996 وكانت دهشتي عارمة وأنا أجري مقابلات مع العطية، وهو يشرح لي خفايا التاريخ الأسود لحمد بن جاسم، أو ناكر المعروف الذي انقلب عليه وسجنه سنة 2009 لمدة 15 شهراً في سجون أمن الدولة القطرية، ومنع عنه الزيارة وحاول إذلاله بشتى الطرق ومنها الحبس الانفرادي، وهذا بالطبع مخالف لميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وقد تعرّض فواز لمصاعب عديدة، حيث سُحبت منه الجنسية القطرية أيضاً في نفس السنة، ولم يبق له سوى جنسيته البريطانية، ولاحقاً أُفرج عنه بوساطة سعودية على حد قوله قبل سفره إلى بريطانيا».

لقد خسر العطية الجولة الأولى من القضية في مرحلة الاختصاص في فبراير 2016، حيث استند القاضي إلى عدم صلاحية المحكمة في مقاضاة حمد بن جاسم لأنه مسجل دبلوماسياً في السفارة القطرية في لندن، يردف مراسل «الجزيرة» السابق «تمعنتُ في ملف القضية، وذهلتُ عندما اكتشفت أن حمد بن جاسم أُدرج دبلوماسياً بعد 6 أشهر كاملة من التنحي عن منصبه، ومما يزيد الغرابة أن حمد بن جاسم نفسه ذكر للإعلام البريطاني أكثر من مرة أنه «مواطن عادي»، ولا تربطه أي صلة بالحكومة القطرية، حينها تبين لي أن بن جاسم تمكن بنفوذه الواسع من إدراج اسمه في عداد الطاقم الدبلوماسي للسفارة القطرية ليحتمي وراءه من الحرب القانونية التي شنها فواز العطية عليه، إذ لا يمر يوم دون أن نرى فواز يغرد على حسابه في تويتر، ويضيف فيديوهات وصور ووثائق تدين شيطان الجزيرة» ويضيف فهمي «ليس بجديد أن يلجأ مواطن قطري للقضاء الدولي، لأن من الواضح أن القضاء في قطر ليس إلا مظلة لحماية الأسرة الحاكمة خصيصاً، وأن أغلبية القضاة من جنسيات مختلفة يقعون تحت رحمة الدولة التي تتحكم في إصدار إقامتهم في قطر ومستقبلهم المهني».

مؤامرات

عقد مراسل الجزيرة السابق محمد فهمي في يونيو الماضي مؤتمرًا صحافيًا فضح خلاله مؤامرات وجرائم المنصة الإعلامية القطرية، بحضور محمد فوزي مصور الجزيرة الإنجليزية الذي حكم عليه بالسجن 10 سنوات غيابيًا في مصر عام 2014، في قضية خلية ماريوت ويعمل الآن مصوراً حراً في واشنطن ومطلوب لدى السلطات المصرية، ولا يزال طلبه للجوء ينظر في واشنطن، ومارتن ماكهون، الخبير القانوني البارز، وديفيد بولوك، مدير برنامج فكرة بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، والمستشار السابق بالخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط.

وأشار فهمي إلى أن حمد بن جاسم كان المسؤول عن إدارة القناة، وأن الإخوان كانوا يعتمدون على الجزيرة بشكل كامل وكانوا يبثون معلومات مضللة وغير حقيقية وتم إرسال أجهزة بث وإذاعة وكاميرات بصورة غير مباشرة للإخوان لبث المعلومات المضللة دون علم المراسلين بالممارسات غير الأخلاقية، مضيفًا: «اكتشفنا استخدام جماعة الإخوان لأجهزة الجزيرة»، وأردف أن يوسف القرضاوي هو الأب الروحي للجماعة وهو إرهابي مصري يعيش في حرية مطلقة في قطر، تحت حماية السلطة الحاكمة، مستشهداً فهمي بفيديو للقرضاوي يجيز تفجير الشخص نفسه لخدمة الجماعة، إذا أرادت ذلك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات