« البيان » تفتح ملف «لص الدوحة» و«عرّاب الفساد والمؤامرات»(2-4)

حمد بن جاسم مهندس مؤامرة الانقـلاب.. والثمن الاعتراف بإسرائيل

يوم الاثنين 26 يونيو 1995، رنّ الهاتف في مكتب سفير فرنسا بالدوحة، هنري دونيو، سمع صوتاً يخاطبه: 'تعالَ حالاً للديوان، لدينا رسالة هامة نريد إبلاغك إيّاها'.

ساعات بعد ذلك، وجد الممثل الدبلوماسي الفرنسي نفسه برفقة نظيريه الأميركي والبريطاني في حوار مغلق مع وزير الخارجية حمد بن جاسم، الذي أبلغهم أن ولي العهد حمد بن خليفة آل ثاني، سيتولى زمام الحكم في الغد. وطلب منهم إخبار قادة حكوماتهم بالأمر، ولدى عودته، أرسل السفير الفرنسي إلى باريس برقية تخبره حكومته بالانقلاب الذي سيقوم به الابن الطموح ذو الثلاثة والأربعين ربيعاً.

كان حمد آل جاسم، الذي عينه الأمير المطاح به وزيراً للخارجية في عام 1992، قد اتصل بلبنانيّ له صلة قوية باللوبي الصهيوني بالولايات المتحدة لكسب الاعتراف. لكن الرئيس الأميركي آنذاك، بيل كلينتون، اشترط مقابل ذلك، اعتراف الإمارة الصغيرة بدولة إسرائيل. الأمر الذي سيتحقق بعد أشهر قليلة، بفتح مركز تجاري للدولة العبرية بالدوحة.

كان عام 1995 قد شهد اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين من قبل متطرفين يهود، وتم العمل دولياً على الاستفادة من الحدث بالترويج لفكرة التطبيع بين إسرائيل ومحيطها العربي، خصوصاً بعد اتفاقية أوسلو، التي تم إمضاؤها في 13 سبتمبر 1993، وكان على قطر أن تقوم بدور رئيس يشرف عليه مهندس التطبيع المباشر، حمد بن جاسم، ونظراً للدور المهم للإعلام في بلورة الرأي العام، تم إنشاء قناة «الجزيرة».

في هذا السياق، كشف كتاب: «قطر هذا الصديق الذي يريد بنا شرّاً» للصحافيين الفرنسيين نيكولا بو وجاك ماري بورجيه، عن كواليس إنشاء قناة الجزيرة القطرية، والأهداف الغامضة لتلك القناة، التي أثارت جدلاً واسعاً في الوطن العربي، مشيرين إلى أنهما أجريا تحقيقات عميقة ومفصلة لكشف خبايا الصفقات الدولية التي عقدتها قطر، والعلاقات السرية بين أميرها حمد بن خليفة ويوسف القرضاوي المقيم بالدوحة، وتفاصيل علاقتهما بإسرائيل وأميركا.

ويبرز الكتاب أن حمد بن جاسم، لم يكن يوماً من المتعاطفين مع الفلسطينيين، حتى إنه ينقل عن رجل أعمال مقرب منه، قوله إنه، وحين كان معه يشاهدان التلفزيون، سمعه يصرخ لما رأى المسؤولين الفلسطينيين: هل سيزعجنا هؤلاء الأغبياء طويلاً؟.

ويقول الكتاب إنه خلافاً للشائع، فإن فكرة إطلاق قناة الجزيرة، لم تكن من بنات أفكار الشيخ حمد، ولكنها نتيجة طبيعية لاغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في عام 1995، فغداة الاغتيال، قرر الأخوان ديفيد وجان فريدمان، وهما يهوديان فرنسيان، عمل كل ما في وسعهما لإقامة السلام بين إسرائيل وفلسطين، وهكذا اتصلا بأصدقائهما من الأميركيين الأعضاء في إيباك (أي لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية)، الذين ساعدوا أمير قطر في الانقلاب على والده، لإقناع هذا الأخير بالأمر. وبالفعل، وجد الشيخ حمد الفكرة مثالية، تخدم عرابيه من جهة، وتفتح أبواب العالم العربي لإسرائيل من جهة ثانية.

ويقول الكاتبان إن الأمير أخذ الفكرة من اليهودييْن، وأبعدهما بعد أن راحت الرياض تتهمه بالتأسيس لقناة يهودية، ويتوقفان عند تعيين الليبي محمود جبريل مستشاراً للمشروع، بقولهما: إن الأميركيين غداة إطلاق الجزيرة، سلموه أحد أبرز مفاتيح القناة، وهذا ما يثبت أن هدف القناة كان قلب الأمور في الشرق الأوسط. هذه كانت مهمة جبريل، الذي أصبح بعد 15 عاماً رئيساً للمجلس الوطني الانتقالي في ليبيا.

وقد أفصحت إحدى وثائق ويكيليكس، التي حملت رقم 432 بتاريخ الأول من يوليو 2009، عن اللقاء الذي جمع بين حمد بن جاسم وقناة الجزيرة، والذي أسهب فيه بن جاسم عن السياسة الخارجية القطرية في عدد من الموضوعات، بما فيها المصالحة الفلسطينية، وعملية السلام، وشن هجوماً شرساً على مصر وسياساتها، وبعدها بنحو 110 أيام، وتحديداً في 19 أكتوبر 2009، جاء في الوثيقة 677 قوله بنجاح تغطية قناة «الجزيرة» في خدمة المصالح الإسرائيلية والأميركية.

وقد اعترف الناطق الرسمي السابق باسم الخارجية الإسرائيلية، ليئور بن دور، أن هناك تعاوناً إعلامياً مهماً بين إسرائيل وقطر، وهو ما يتمثل في قناة الجزيرة، التي تستضيف المسؤولين والدبلوماسيين الإسرائيليين، بالإضافة إلى تقديم الخارجية الإسرائيلية، التعاون اللازم الذي ترغب فيه القناة أو فريق مراسليها بإسرائيل، مؤكداً أن هناك تفاهماً استراتيجياً واسعاً بين الطرفين، وأن هناك الكثير من القضايا ذات الاهتمام المشترك بين إسرائيل وقطر في المنطقة.

بوابة إسرائيل في المنطقة

بقدر مناهضته الفكرية لمطالب الشعب الفلسطيني العادلة، عرف عن حمد بن جاسم، حبه للإسرائيليين وتقربه منهم، حتى إنه اختار أن يشتري قصراً في تل أبيب، ليرتاح فيه من مشاق تآمره اليوم على العرب، وبحسب المراقبين، فإن بن جاسم كان عراب العلاقات مع تل أبيب، منذ أن تولى الإشراف على حقيبة الخارجية، فهو يرى أن بلاده لا يمكن أن تكون في مأمن، إن لم ترتبط بعلاقات قوية مع إسرائيل، تجعل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة بخدمة مصالحها في واشنطن.

وفي هذا الإطار، كشف دبلوماسي إسرائيلي، المسار الذي اتخذته العلاقات بين قطر وإسرائيل، في كتاب بعنوان «قطر وإسرائيل- ملف العلاقات السرية»، صدرت له ترجمة عربية، قال محمد البحيري، الباحث في الشؤون الإسرائيلية، ومترجم الكتاب عن اللغة العبرية، في مقدمته، إن أهمية الكتاب تنبع من أن مؤلفه سامي ريفيل، يعد واحداً ممن كان لهم باع طويل في دفع التطبيع بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، خاصة إذا علمنا أنه كان أول دبلوماسي إسرائيلي يعمل في قطر، وكان رئيس أول مكتب لتمثيل المصالح الإسرائيلية في الدوحة خلال الفترة من عام 1996 إلى عام 1999، وعمل في مكتب مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية، ضمن فريق كانت مهمته تنمية التعاون الاقتصادي بين إسرائيل والعالم العربي بأسره.

وفي السنوات الأخيرة، ترأس سامي ريفيل قسم العلاقات الإسرائيلية مع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو بوزارة الخارجية الإسرائيلية، ثم عمل وزيراً مفوضاً بسفارة إسرائيل في العاصمة الفرنسية باريس.

ويربط الدبلوماسي الإسرائيلي بين صعود الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر، إلى سدة الحكم، بعد انقلابه على والده وتسريع نمو العلاقات بين قطر وإسرائيل. فيقول إن الأمير سارع إلى توطيد علاقات بلاده مع الولايات المتحدة، عبر توقيع اتفاقية دفاع مشترك معها، والسماح لها بإقامة قواعد عسكرية أميركية في قطر، الأمر الذي وفر حماية أميركية للإمارة في مواجهة أي ضغوط قد تتعرض لها من جانب الكبار المحيطين بها، لا سيما إيران والسعودية.

وأشار إلى تصريح أدلى به الشيخ حمد بعد ثلاثة شهور فقط من توليه الحكم، قال فيه: «هناك خطة لمشروع غاز بين قطر وإسرائيل والأردن، ويجري تنفيذها»، داعياً إلى إلغاء الحصار الاقتصادي المفروض من جانب العرب على إسرائيل.

وبحسب سامي ريفيل، فإن إقبال قطر على التطبيع مع إسرائيل، وتصدير الغاز إليها تحديداً، كان يستهدف الترويج عالمياً للحقل الشمالي الموجود في قطر، والذي يوصف بأنه اكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، ويقدر حجم الغاز الموجود فيه، بما يزيد على 25 تريليون متر مكعب، لافتاً إلى صعوبة نسج العلاقات القطرية الإسرائيلية، التي شارك فيها هو بنفسه، لولا المساعدة التي حظي بها من مسؤولين كبار في قصر الأمير، ووزارة الخارجية القطرية، وفي مقدمهم حمد بن جاسم، إضافة إلى شركات قطرية رئيسة.

ويقول: «عملت خزائن قطر الممتلئة على تحويلها إلى لاعب مهم في منطقة الشرق الأوسط، بما يتعدى أبعادها الجغرافية وحجم سكانها».

لقاءات قطرية إسرائيلية

تعددت اللقاءات القطرية الإسرائيلية، التي كان لحمد بن جاسم دور مهم في برمجتها والإعداد لها، ففي عام 1998، زار رئيس الوزراء الإسرائيلي، شمعون بيريز، الدوحة لحضور المؤتمر الاقتصادي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقد أهداه الأمير حمد سيفاً من الذهب، مرصعاً بالحجارة الكريمة، وفي 2001، أعلن عن قبول طلاب إسرائيليين للدراسة في جامعة كورنيل الأميركية للطب في قطر، وفي مايو من العام ذاته، التقى وزير خارجية قطر، حمد بن جاسم، مع وزير الخارجية الإسرائيلي في واشنطن، وبعد خمسة أشهر، أدى وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي، روني ميلو، زيارة إلى الدوحة، لحضور اجتماعات منظمة التجارة العالمية في قطر.

وفي أغسطس 2001، أكدت مصادر صحافية أن وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم، التقى في زيارة سرية لإسرائيل، رئيس الوزراء أرييل شارون، ووزير الخارجية شمعون بيريز، وقد اصطحب بن جاسم في هذه الزيارة، نجليه اللذين بقيا في إسرائيل للقيام بجولة سياحية، حيث شوهدا في حيفا برفقة رجل أعمال عربي، وتحت حراسة مشددة.

وفي مايو 2002، اقترح بن جاسم على المجمعين في القمة العربية بالعاصمة اللبنانية بيروت، تكليفه بالذهاب إلى إسرائيل، والتوسط لدى رئيس الوزراء أرييل شارون، لاصطحاب الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى بيروت، لحضور القمة العربية، وضمان عودته إلى رام الله، غير أن القمة رفضت اقتراحه، وفي يوليو 2002، التقى بن جاسم مرة أخرى مع وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك شمعون بيريز في باريس، وفي مايو 2003، التقى وزير الخارجية القطري، الذي قال إن بلاده تبحث إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل، إذا كان ذلك يخدم مصالحها، مع وزير الخارجية الإسرائيلي سليفان شالوم في باريس.

وفي أغسطس 2005، قالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، إن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تبرع بـ 10 ملايين دولار لفريق كرة قدم ينشط داخل إسرائيل.

وفي 30 يناير 2007، استقبل أمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة، في الدوحة، شيمون بيريز، الذي زار الدوحة للمشاركة في مناظرات مع الطلاب، وقام بيريز بزيارة مقر قناة «الجزيرة»، حيث حظي بحفاوة الترحيب من قبل العاملين فيها، وفي عام 2008، قامت وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك، تسيبي ليفني، بزيارة لقطر، استغرقت ثلاثة أيام، وألقت الكلمة المركزية في منتدى الدوحة للديمقراطية والتطوير والتجارة الحرة.

والتقت وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك، بأمير قطر، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ورئيس وزرائه الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني.

وفي2009، تداولت تقارير معلومات، بأن الأسلحة والقنابل والمعدات الأميركية تصل إسرائيل من قطر، و ليس من أوروبا، والمقاتلات الإسرائيلية تعتمد علي زيوت ومركبات بترولية قطرية فقط.

وفي أغسطس2011، كشفت وثائق ويكيليكس، أن حمد بن جاسم، أبلغ إسرائيل أن الدوحة تتبني خطة لضرب استقرار مصر بعنف، واللعب بمشاعر المصريين لإحداث الفوضي عن طريق قناة الجزيرة، باعتبارها عنصراً محورياً في الخطة، ثم بعد ذلك بشهر واحد، وبعد نهاية الهجوم الإسرائيلي على غزة، أدى أمير قطر ووزير خارجيته، زيارة سرية خاصة إلى إسرائيل، التقيا خلالها بعدد من الشخصيات الصهيونية، من بينهما زعيمة حزب كاديما تسيبي ليفني، وفي نفس العام أيضاً، قررت قطر ضخ الغاز الطبيعي إلى إسرائيل، بدلاً من مصر، وبأسعار أقل.

وفي العام ذاته، تم، ولأول مرة، الإعلان عن تدشين مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، أنشئت بتمويلات قطرية، وهو ما أثار ردود فعل صاخبة بين الفلسطينيين والعرب، وفي يناير 2013، كشفت تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة، التي مني حزبها بهزيمة في الانتخابات، بأن السبب يكمن في تمويل دولة قطر لبعض منافسيها في الانتخابات التشريعية، وأشارت إلى أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، قد تلقى ملايين الدولارات من نظام الدوحة، في حين أن حزب «إسرائيل بيتنا»، الذي يتزعمه أيضاً وزير الخارجية الأسبق، أفيغدور ليبرمان، تلقى مبلغ 1,5 مليون دولار.

عراب العلاقات مع إسرائيل

وبحسب مراقبين، فإن حمد بن جاسم، يعتبر عرّاب العلاقات القطرية الإسرائيلية، كما أنه صديق وفيّ للصهاينة، وهو لا يخفي ذلك، ويرى أن هناك صفات عدة تجمع بين الكيانين الإسرائيلي والقطري، فكلاهما بلدان صغيران، ويطمحان إلى أدوار إقليمية ودولية تتجاوز حجمهما، إضافة إلى أن بن جاسم خاطب الإسرائيليين، بأن قطر توجد في محيط معادٍ لها، مثلها مثل إسرائيل.

ويشير مصدر دبلوماسي عربي، إلى أن حمد بن جاسم، كان مندفعاً بقوة لربط علاقات مع إسرائيل، مدفوعاً بقناعته بأن العلاقات مع تل أبيب تضمن نيل رضا الإدارة الأميركية، مروراً باللوبي الصهيوني المتحكم في القرار السياسي الأميركي، إضافة إلى أن بن جاسم، كان يعتقد أن طموحاته أقرب إلى النموذج الإسرائيلي، منها إلى النموذج الخليجي والعربي، وهو ما يبرز من ممارساته العنجهية، التي كانت تنطلق من رؤيته المعادية للقوى الفاعلة على الصعيد العربي، ومنها المملكة العربية السعودية ومصر.

ويبرز المصدر أن ما سمي بثورات الربيع العربي، كان مشروعاً شاركت في التخطيط له دوائر أميركية، والتحالف القطري الإخواني، بدعم إسرائيلي واضح، وأن بن جاسم كان ينقل رسائل قوى الإسلام السياسي بالمنطقة إلى سلطات تل أبيب، ونجح في ربط علاقات ثقة بين إسرائيل، وتنظيم جبهة النصرة في سوريا، وكذلك بين إسرائيل وجماعة الإخوان المصرية، والجماعات الإرهابية في سيناء، وبين إسرائيل ومليشيات ليبية مسلحة، كما أن منظمة الإيباك التي تمثل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، فتحت ذراعيها لاستقبال زعماء التيارات السياسية و«الإرهابية» المرتبطة بالإخوان وتنظيم القاعدة.

ويستشهد المراقبون بإعلان إسرائيل، عن استقبالها لأكثر من 2500 جريح من مسلحي تنظيم جبهة النصرة المدعوم من قطر، وتمكينهم من الرعاية الصحية والإسعاف الطبي في مشافي صهيونية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات