يرزح الاقتصاد القطري تحت ضغوط المقاطعة العربية حيث تتفاقم معاناة وخسائر القطاعات المختلفة بما فيها أسواق الأسهم التي تواصل خسائرها كذلك أسواق العملات التي تشهد حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار.
ورجح خبراء اقتصاد قيام الدول العربية المقاطعة لقطر باتخاذ خطوات إضافية ضد الدوحة لحثها على وقف دعم الإرهاب متوقعين قيام البنوك والمؤسسات الخليجية بسحب ودائعها من مصارف الدوحة حيث تقدر قيمتها بنحو 18 مليار دولار.
كما تتزايد معاناة القطاع السياحي والفندقي مع نزوح السياح وتهاوي معدلات الإشغال الفندقي مع توقف السياحة الخليجية للدوحة حيث كانت السياحة الوافدة من كل من الإمارات والسعودية تستحوذ على نحو 50 % من اجمالي التدفقات السياحية لقطر.
يأتي هذا في الوقت الذي تتفاقم فيه معاناة شركات النقل الجوي والسفن البحرية من المقاطعة العربية خاصة من الإمارات والسعودية ومصر والبحرين مع تواصل إغلاق المطارات والموانئ والأجواء في هذه الدول أمام السفن والناقلات الجوية وشركات النقل البحري القطرية.
أمن قومي
وفي هذا السياق أعلن الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس ورئيس المنطقة الاقتصادية للقناة أن المنطقة الاقتصادية والموانئ التابعة لها ملتزمة بتنفيذ قرارات منع السفن القطرية من المرور فيها أو دخولها حرصاً على الأمن القومي المصري وذلك في ضوء قطع القاهرة للعلاقات الدبلوماسية مع قطر.
وأكد مميش - في تصريحات له أمس - أن أي قرارات صادرة من الدولة المصرية بشأن هذا الأمر تسري على جميع الموانئ التابعة للمنطقة الاقتصادية لأنها مياه إقليمية تحكمها الدولة المصرية في مرور السفن من عدمه.
وأشار إلى أنه وفقاً لاتفاقية القسطنطينية لسنة 1869 فإن هيئة قناة السويس ملتزمة بالاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر حيث إن قناة السويس مجرى ملاحي عالمي لا يجوز إغلاقه أمام حركة السفن العابرة.
بداية الانكماش
إلى ذلك أكدت مؤشرات اقتصادية أن آثار المقاطعة العربية بدأت تظهر في العديد من القطاعات مع مواصلة الدوحة سياسة العناد مع أشقائها وإصرارها على دعم ومساندة الإرهاب.
ومع ظهور علامات الانكماش ألغت قطر طلبية لشراء 4 طائرات إيرباص طراز ايرباص «أيه 350» حيث بررت الخطوط الجوية القطرية قرارها بالتراجع عن الطلبية بذريعة تأخير التسليم من الشركة الأوربية المصنعة مما تسبب في حرج لصانعة الطائرات الأوروبية إزاء ما ستفعله بطائرات قيمتها 1.2 مليار دولار بأسعار السوق في إطار مساعيها لتضييق فجوة المبيعات مع منافستها شركة «بوينغ» الأميركية.
وذكرت «ياهو فاينانس» في تعليق على النبأ أن بعض المحللين لمحوا إلى أن الأزمة السياسية في منطقة الخليج والمقاطعة العربية للدوحة أعطت الشركة القطرية مبرراً لطلب إلغاء الصفقة لاسيما أن إغلاق الرحلات بين الخطوط القطرية مع كل من الإمارات والسعودية ومصر والبحرين تسبب في إلغاء نحو 25 % من إجمالي رحلات الناقلة.
سحب الودائع
من جهتها قالت رويترز إن مزيداً من الإجراءات قد تتخذها الدول الخليجية المعنية «تماشياً مع القانون الدولي» حسبما أعلن وزير الخارجية السعودي عادل الجبير.
وكانت وسائل إعلام سعودية ذكرت هذا الأسبوع أن المقاطعة الجديدة تتضمن سحب الودائع والقروض من قطر من جانب البنوك في دول التحالف، إلى جانب «مقاطعة ثانوية» سيرفض التحالف بموجبها التعامل مع الشركات التي تتعامل مع قطر وان العديد من البنوك والمؤسسات المالية والشركات في القطاعات المختلفة يمكن أن يتم تخييرها بين التعامل مع قطر أو اختيار التعامل مع الدول المقاطعة الرافضة لسياسات الدوحة الداعمة للإرهاب.
وأضافت وكالة «رويترز» أن مثل تلك الإجراءات ستؤدي إلى مزيد من الضغوط على قطر.
كلفة الواردات
وتعاني قطر من ارتفاع كبير في كلفة الواردات بسبب المقاطعة العربية وغلاق الموانئ والأجواء أمام الشركات والناقلات القطرية مما أجبرها على استخدام طرق شحن أقل ملاءمة واستخدام مسارات أطول للسفر حيث قدر مسؤولون وخبراء الزيادة في تكلفة الشحن بنحو 10 أمثال ما كانت عليه قبل الأزمة.
وذكر التقرير إن أكثر نقاط الضعف تتمثل في اعتماد البنوك على التمويل الأجنبي حيث قدر نحو 36% من إجمالي التزامات البنوك التجارية في شهر مايو إلى أجانب، بما في ذلك دول مجلس التعاون .
وكانت كل من الإمارات والسعودية والبحرين أوقفت التعاملات التجارية مع قطر بناء على توجيهات البنوك المركزية، وحذت بعض البنوك الأجنبية حذوها فيما تتضمن الإجراءات الأكثر صرامة سحب الأموال من البنوك القطرية.
تسييل الأصول
وقدر أحد كبار المسؤولين الماليين القطريين بأن المؤسسات المالية في السعودية والإمارات والبحرين تمتلك 18 مليار دولار على شكل ودائع في البنوك القطرية تستحق في شهرين، ولن يتم تجدديها.
وقدر بنك أوف أميركا سحب نحو 35 مليار دولار من النظام البنكي القطري في غضون عام مع قيام دول "التعاون "بقطع كافة العلاقات المالية مع قطر الأمر الذي يجبر البنوك القطرية على تسييل أصولها الخارجية .
من جهة أخرى يبدو أن قطر باتت تتقبل فكرة ظهور سوق موازية في الخارج لعملتها، وهو ثمن مضطرة لدفعه مقابل الحفاظ على احتياطياتها من الدولار حتى الآن، وهي الاحتياطيات التي تعد ركيزة في الدفاع عن قيمة العملة أمام المضاربات ونقص السيولة.
ومع دخول أزمة قطع العلاقات مع قطر شهرها الثاني، بدأت تأثيرات الأزمة تتفاقم على عدة أصعدة، خصوصاً فيما يتعلق بأسواق قطر المالية وسعر صرف عملتها.
ضعف السيولة
وفي الوقت الذي يسعى فيه البنك المركزي القطري، إلى المحافظة على سعر صرف الريال مقابل الدولار عند 3.64 ريالات للدولار داخلياً، عبر ضخ الأموال للبنوك القطرية، بما يلبي احتياجات الأعمال التجارية، تشير وكالة «بلومبرغ»، وفقاً لمصادرها المصرفية، إلى لجوء المقرضين إلى الأسواق الخارجية حيث يتم تداول العملة القطرية بأسعار أقل، وهو ما يعكس، بحسب المصادر، ضعف السيولة بين البنوك.
وفي نفس السياق، أوضحت «بلومبرغ» أن قطر سوف ترضخ لظهور سوق موازية لعملتها، إذا ما أرادت الحفاظ على احتياطياتها الأجنبية في ظل هذه الأزمة.
من جهة ثانية، تؤكد الوكالة وفقاً لمحللين، أن ربط الريال القطري بالدولار في السوق المحلية سيبقى قائما ولكن المأزق الحقيقي سيكون أمام البنوك التي تواجه متطلبات كبيرة لتمويل مشاريع كأس العالم 2022 وتتضمن منشآت رياضية وملاعب ومرافق للضيافة وفنادق خصوصاً وأن نحو 25% من أصحاب الودائع لديها هم من غير المقيمين.
إذن السفر
إلى ذلك قررت قطر منع جميع الوافدين والأجانب من الحصول على إذن السفر لمغادرة الدوحة أو الحصول على الإجازات السنوية والإجازات الطارئة، في خطوة يرى متابعون أنها خطوة لوقف تحرك الاقتصاد باتجاه الانهيار في ظل حالة العزل المفروضة عليها من دول خليجية وعربية على خلفية دعمها واستضافتها تنظيمات وشخصيات مدرجة على لائحة الإرهاب.
وأكد الناطق الإعلامي للرابطة الخليجية للحقوق والحريات محمد هايف أن دائرة الرصد الحقوقي أرسلت نداء إلى مكتبي مدير منظمة العمل الدولية والمفوض السامي لحقوق الإنسان في جنيف، تطالبهما بالتدخل العاجل تجاه الانتهاك الخطير الذي تقوم به الحكومة القطرية حالياً ضد مواطنيها والعمالة الوافدة التي تعمل في الدوحة ويقدر عددها حالياً بمليونين ومئتي ألف عامل أغلبيتهم من الدول الآسيوية.
وقال إن بيان الرابطة أمس أوضح المخاطر الكبيرة على ظروف العمالة الوافدة جراء قرار الحكومة القطرية التي منعت مواطنيها والعمالة الوافد من أخذ إجازتها السنوية وألغت كل الإجازات الأمر الذي قد يساهم في زيادة معدل حوادث العمل الكبيرة والمميتة بسبب حرمان العمال من إجازاتهم السنوية ووضعهم تحت ظروف عمل قاسية وضغط بدني ونفسي واجتماعي شديد خاصة عمال الشركات التي تشرف على إنشاء الإنشاءات الرياضية لبطولة العالم 2022 التي يدور جدل كبير في مقدرة الدوحة على تنظيمها في ظل أزمتها السياسية والاقتصادية الخانقة.
إلحاق الظلم
وطالب البيان بتدخل منظمة العمل والمفوضية السامية لرفع هذا القرار القطري الذي يتعارض مع اتفاقيات منظمة العمل الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وحق الإنسان بالتمتع بإجازته السنوية وعدم وقفها خاصة أن دستور منظمة العمل الدولية وقطر عضو فيها نص على «أنه لا سبيل لإقامة السلام العالمي إلا إذا بني على أساس العدالة الاجتماعية وأن ظروف العمل التي تنطوي على إلحاق الظلم والبؤس والحرمان بأعداد كبيرة من الناس تولد سخطاً يبلغ في جسامته حداً يعرض السلام العالمي للخطر» وهي بهذا القرار المجحف والظالم انتهكت أهم بند عالمي وإنساني في دستور منظمة العمل الدولية.

