محللون دوليون: الدوحة أمامها طريق واحد للخروج من الأزمة

انحرافات قطر إلى نهاية.. والمكابرة لا تفيد

رغم المحاولات القطرية للمكابرة والنكران والمراوغة غير أن الخناق يضيق عليها يوماً بعد الآخر في أعقاب افتضاح علاقتها المشبوهة بالعديد من التنظيمات الإرهابية وثبوت تمويلها لأنشطة إرهابية طيلة العشرين عاماً الماضية، ورسم محللون ومراكز بحوث عالمية طريقاً واحداً للدوحة للخروج من أزمتها الحالية.

وهو العمل على مخاطبة اتهامات جيرانها بحلول عملية ومعالجات حقيقية، وأشاروا في عدد من المقالات إلى أن قطر الدولة الصغيرة التي حاولت توظيف الثروة التي تمتلكها لخلق خط موازٍ للذي يجمع عليه الخليج العربي لا خيار أمامها غير تقليص انحرافاتها.

ويقول الباحث في معهد «أتلانتيك كونسيل» محمد اليحيى، إنه يجدر السؤال عما تفكر به السعودية، القوة الرئيسية في مجلس التعاون، رغم إعلان الدوحة مؤخراً أنها مستعدة للنظر في هواجس المملكة، لكن الرياض مستاءة منذ زمن من الدوحة، وتعتبرها معادية لها، وأي مصالحة تحتاج إلى التعامل مع القضايا الأساسية التي تطرحها الرياض.

الحقيقة أكثر تعقيداً

ويضيف الباحث أن بعض المراقبين الأجانب تكهنوا بأن الرياض وأبوظبي، اللتين تتمتعان بعلاقات أقوى مع البيت الأبيض، قد سعتا إلى مقاطعة قطر بعدما حصلتا على «ضوء أخضر» من إدارة ترامب، إلا أن الحقيقة معقدة أكثر من ذلك ومتجذرة في سياق تاريخي متعرج يجعل التوقيت الدقيق للتداعيات غير منطقي نسبياً.

ولفت إلى أن انهيار العلاقات هو نتاج ديناميكيتين تفاقمتا بالتوازي في السنوات العشرين الماضية، الأولى هي اضطراب العلاقات الثنائية عقب انقلاب الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (والد الأمير الحالي) على أبيه الشيخ خليفة بن حمد.

والثانية هي التصادم الأساسي، خصوصاً عقب انتفاضات الربيع العربي، في السياسة الخارجية ومقاربات مكافحة الإرهاب بين السعودية ولاعبين آخرين في مجلس التعاون الخليجي مثل دولة الإمارات والبحرين من جهة وقطر من جهة أخرى.

الجزيرة

وبعيد تسلم حمد بن خليفة الحكم في 1995، تحولت قطر من حليف قوي للسعودية وعضو غير واضح نسبياً في مجلس التعاون الخليجي، إلى لاعب مستقل يعتبره السعوديون معادياً للمملكة ودول خليجية أخرى. وباتت قناة الجزيرة القطرية منصة علنية لمناقشة قضايا سياسية حساسة.

واستضافت منشقين سعوديين سياسيين، بعضهم يثير الجدل في الخليج، مثل سعد الفقيه، الموضوع في وقت سابق على لائحة الأمم المتحدة للأفراد المنتمين إلى تنظيم القاعدة عام 2004.

نقل السلطة

ويزيد اليحيى بقوله إن فضيحة التسجيلات بين القيادة القطرية ومعمر القذافي، والتي كان يناقش خلالها أمير قطر السابق ورئيس وزرائه خططاً لتقويض المملكة أدت إلى تنحيه. وفي مقال نشر مؤخراً، قال د. عبد الرحمن الدخيل إن تنازل الشيخ حمد عن الإمارة لابنه تميم عام 2013 كان نتيجة مباشرة لغضب السعودية ومجلس التعاون في ما يتعلق بالتسجيلات مع القذافي.

وكان تسلم تميم الحكم بمثابة تسوية وقلب لصفحة في علاقات قطر بجيرانها. وبعد سنة من حكم تميم، شعر السعوديون أن التغيير في قطر لم يكن كافياً وأن حمد بن خليفة وحمد بن جاسم لا يزالان يتمتعان بالنفوذ في الدوحة.

وهذا ما أدى بالسعودية والإمارات والبحرين إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر. وفي عام 2014، أدى اتفاق الرياض الذي وافق الأمير الجديد من خلاله على مجموعة من الشروط التي وضعها مجلس التعاون، إلى معاودة العلاقات، ولكن الأزمة الدبلوماسية الأخيرة يمكن وصفها بأنها انتكاسة.

جبهة النصرة

ولفت إلى أن علاقة قطر مع جبهة النصرة دقت جرس الإنذار في الدوائر الاستخباراتية في الإمارات والسعودية. وكذلك أغضبت قطر السعوديين بدفعها فدية إلى كتائب حزب الله العراقي لإطلاق صيادين قطريين.

وكذلك ذهب جزء من الفدية إلى هيئة تحرير الشام (النسخة الجديدة لجبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة) وحركة أحرار الشام السوريتين لمساعدتهما في إطلاق الصيادين. إن كل ناحية من نواحي السياسية الخارجية القطرية مقلق للسعوديين، من رغبة الدوحة في العمل مع جماعات إسلامية .

ولاعبين مثل جبهة النصرة وجماعة «الإخوان» والاستعداد للحديث مع إيران إلى استعداد الجزيرة لتغطية مسائل سياسية حساسة واستضافتها لشخصيات معارضة من دول عربية أخرى، وما يعتقد السعوديون بأنه حملة ناشطة لتقويض المملكة.

وفي اتجاه مماثل ذهب. أ. هيالر/‏‏ كبير باحثين غير مقيم مع مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط بقوله، منذ العام 2012، والرياض وأبوظبي، هما القوتان الأكبر في مجلس التعاون الخليجي، تشعران بأن الدوحة تمثل خنجرا في الظهر، خاصة .

فيما يتصل بجماعة «الإخوان» في مختلف الدول، بما في ذلك استضافة رموز غير قطرية من الجماعة على أراضيها، إضافة إلى تعامل أكثر ودا مع إيران مقارنة بالسعودية والإمارات.

وحتى وقت قريب، كان منتقدو الدوحة يرون أن «انحرافات» الدوحة في هاتين القضيتين سيتم تصحيحها مع الوقت، خاصة عقب التصعيد الأخير في العام 2015، لكن هذا الشعور قد تلاشى الآن. ويمضي هيالر قائلا، في هذا الصدد، فإن الدوحة، وبالرغم من وجود قاعدة أميركية مهمة في المنطقة على أراضيها، إلا أنها وحدها تماماً.

نتيجة حتمية

ويصل إلى أن النتيجة الحتمية هي رضوخ قطر لمطالب جيرانها بشكل أسرع بكثير مما يتخيله البعض، فالقرن الواحد والعشرون يمكّن للدول الصغيرة أن تتجاوز ثقلها الحقيقي من خلال الوسائل التكنولوجية، إلا أن هناك بعض الأشياء التي لا يمكن أن يوفرها. تعتمد قطر على أراض مشتركة مع السعودية وهي التي تمكنها من تصدير أي شيء على الأرض ـ وهي حرفياً ليس لديها أي حدود أخرى. تعتمد الدوحة بشكل كبير على الواردات.

ولا يمكنها الاستمرار بدونها. كما تحتاج قطر إلى مجال جوي غير مقيد لتصل إلى المستوى الذي تريده للخطوط الجوية القطرية، وليس لديها هذا المجال فيما يتعلق بالإمارات والسعودية والبحرين، ولا يمكن لأي شخص أن يسافر من الإمارات أو السعودية أو البحرين مباشرة إلى قطر حتى انتهاء الأزمة.

ليس للدوحة حلفاء يمكنها الاعتماد عليهم لملء الفراغ بهذا الصدد، لا يمكن لإيران أن تعوضها، إن كان هذا خيار مطروح بالأساس. أما تركيا، والتي لديها تقارب مع الدوحة بشأن بعض السياسات الخارجية (خاصة في مسألة الإخوان)، قد اتخذت موقفا مشابها للولايات المتحدة، يبرز أنها ترغب في لعب دور الوسيط أكثر من رغبتها في الوقوف أمام السعودية.

على هذا النحو، فإن مسألة إذعان الدوحة أمر مفروغ منه، فالأمر يتعلق بكيفية إذعانها ومدى سرعته، ببساطة لأن موازين القوى ليست في صالح الدوحة في الوقت الحالي، ومساحة المناورة تبدو ضئيلة تماما.

ويقول: إن أي اتفاق للمصالحة غالبا ما سيتضمن الآتي: رحيل مؤيدي جماعة الإخوان غير القطريين من قطر بالكامل (ربما باستثناءات لشخصيات عامة يضعف رحيلها من موقف قطر بشكل كبير) إعادة هيكلة الإعلام القطري (مما يعني إنهاء وجود العربي الجديد بالكامل، إلا أن الجزيرة قد تستمر بشروط محددة)، توقف قطر عن تحركات في المنطقة تخالف مواقف السعودية، مع تركيز أكبر على تعزيز الضوابط المالية على الأموال الخاصة التي تخرج من الدوحة لتدعم مجموعات تعتبرها السعودية غير مقبولة.

باختصار، فإن مساحة «انحرافات» الدوحة وفقا لرؤية السعودية ستتقلص بشكل كبير.

من المحتمل أن تحدث المصالحة بسرعة، لأن القضايا الخلافية معروفة بشكل جلي، ومحددة من دول الجوارالتي وضعت قائمة محددة بالشخصيات والمؤسسات التي تعد ارهابية او على علاقة بالارهاب، اضافة الى ان اتفاق الرياض الذي تم توقيعه سابقاً حمل خريطة واضحة للدوحة وعليها فقط المضي بتنفيذه بما يطمئن جيرانها والمجتمع الدولي على جديتها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات