«نيويورك تايمز»: قطر ظنّت نفسها دولة عظمى

صحف غربية: نظام الدوحة يعيش انتكاسة

ما زالت الأزمة القطرية تتكشف عن خيوط جديدة لمحاولات مستميتة، تمضي فيها الدوحة للتهرب من الاستجابة لمطالب جيرانها العرب، وهي محاولات تظهر عقمها، وستدخل قطر في نفق مظلم حسبما تفيد الأحداث التي أعادت قطر لحجمها الطبيعي بعد أن ظنت نفسها دولة عظمى.

وتشير التطورات إلى أن توظيف قطر لشركة النائب العام الأميركي السابق جون أشكروفت في مقابل 2.5 مليون دولار، قد يكون وراءه أكثر من عملية تدقيق في عمليات تمويلها للإرهاب، حيث يفيد ميغان ويلسون والين ميتشيل في موقع «ذا هيل» الإلكتروني إلى أن قطر كانت تستقدم جماعات ضغط في المواجهة في الخليج، وأن توظيف الشركة قد يكون جزءاً من جهد أكبر لتعزيز العلاقات مع أميركا، في ظل قلق متزايد من المشرعين والمسؤولين التنفيذين من الحزبين الديمقراطي والجمهوري حيال استعداد قطر لتمويل جماعات متطرفة واستضافة منظمات ترسل تبرعات لجماعات مرتبطة بالإرهاب.

وفي هذا السياق، أشار الكاتبان أيضاً إلى أن قطر وظفت جماعات ضغط أميركية في إطار جهودها لاستضافة كأس العالم عام 2022، برغم عقم هذه المحاولات، حسب الخبير الدولي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، جو الترمان، الذي يصف الفيفا والكونغرس الأميركي ومجتمع السياسة «مخلوقات مختلفة تماماً لديها قواعد ومسارات مختلفة». وكانت وثائق لوزارة الدفاع أشارت إلى أن الشركات الأميركية العاملة في قطر كانت تلتقي مسؤولين في كابيتول هيل، وأنها سهلت عدداً من اللقاءات بين القطريين ومشرعين بارزين لمناقشة مبيعات أسلحة عسكرية، ورحلات لهم ولطواقمهم إلى قطر، كذلك لمناقشة تحقيقات مجلس الشيوخ في الممارسات العمالية المتعلقة ببناء ملاعب لكأس العالم، التي تم انتقاد البلاد عليها بسبب انتهاكات متعلقة بحقوق الإنسان.

وكان التأثير السلبي للموقف القطري واضحاً على المؤسسات الاقتصادية القطرية، سواء على شركات البناء لكأس العالم بقيمة 160 مليار دولار وفقاً لتقرير لصحيفة «تلغراف»، أو على «خطوط الطيران القطرية»، الذي انتقد رئيسها الإدارة الأميركية وترامب، معرباً عن استيائه من القيادة التي أظهرتها الولايات المتحدة في أعقاب قطع العلاقات مع قطر.

وجاء في مقال لكليفورد ماي في «واشنطن تايمز«بعنوان» في الحرب ضد الإرهاب، بعض الدول معنا، وبعضها ضدنا وبعضها الاثنان معاً«، عندما قال إن قطر وصلت إلى مفترق، يمكن للأمير أن يدعم التكتل العربي الملتزم بمحاربة الإرهاب، الذي أعلن خلال زيارة دونالد ترامب للسعودية، أو يرمي بنفسه مع أحضان إيران وروسيا، الإمبراطوريتين الكبريين السابقتين بالتطلعات النيو إمبريالية، لكن ورقة اللعب على الحبلين ضد الوسط يبدو انتهت صلاحيتها.

منافسة

وفي سياق محاولات قطر الاستنجاد بأطراف خارجية، أفاد اليسك فانتاكا من «مؤسسة الشرق الأوسط» أن إيران ترى نفسها في منافسة مع تركيا في هذا الجهد، ويبدو حتى الآن أن الأتراك لديهم اليد الطولى، أما التوقعات الإيرانية فتتلخص من وجهة نظره بأمرين، المنافع الاقتصادية، والأمل بقيادة أكثر قبولاً لها في قطر، وأن نهجها لا علاقة له بأي عواطف تجاه قطر، بل بمكاسب تجارية قصيرة الأمد، وتطلعات سياسية بعيدة الأمد، حيث تمتلئ وسائل الإعلام الإيرانية بروايات عن كيف أن قطر على مدى السنين عملت ضد المصالح الإيرانية، وما تريده هو انقسامات عميقة بين جيرانها العرب إلى جنوبها، ما يحول دون بروز جبهة عربية موحدة، وهي كانت توجه الرسائل المتناقضة، يتهم مسؤولوها السعودية بالمسؤولية عن التفجيرين اللذين وقعا في طهران، فيما يدعو وزير خارجيتها إلى إيجاد آلية دائمة لحل الخلافات في المنطقة.

وكانت الضغوط على قطر قد ظهرت بوادرها عبر تقارير عن أن قيادة حركة حماس كانت تنظر في مقرات أخرى لها في الخارج، أما بشأن اشتداد أزمة الكهرباء في قطاع غزة فقد أفيد بأن انقطاع الكهرباء قد يكون سببه الأنفاق التي كانت موضوعاً بارزاً في ملاحظات رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي اد رويس الذي أفاد أنه «هذا الشهر، المزيد من أنفاق حماس وجدت تحت مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في غزة».

من جهتها، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، أن دولة قطر حرصت منذ تسعينيات القرن الماضي، على أن تكون مصدر إزعاج دائم لجارتها السعودية، في مسعى منها إلى إيجاد موطئ قدم على الساحة الدولية.

وقال الباحث في العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، مارك لينش، إن سياسة قطر الخارجية قامت على أمرين اثنين، الانشغال بفرض البلاد على الخريطة، والبحث عما قد يكون مصدر إزعاج للرياض.

وبحسب الكاتب ماكس فيشر، فإن قطر اختارت، في سعيها إلى تلك الغاية، أن تقيم علاقات تجارية مع إسرائيل وتطور علاقات ثنائية مع إيران، فضلاً عن الاعتماد على قاعدة العديد الأميركية لإسناد ظهرها في المنطقة.

مركز للإرهاب

موازاة مع ذلك، أطلقت قطر قناة الجزيرة واستخدمتها بمثابة قوة ناعمة، كي تقوي تحالفاتها في الخارج، وتسيء إلى السعودية الجارة. وتحولت الدوحة إلى ملاذ للمتطرّفين ومنفى لهم، مثل جماعة الإخوان أو حركة حماس أو الانفصاليين الشيشانيين وعناصر طالبان، وغيرهم.

واستغلت قطر طفرتها المالية، وانتقال اقتصادها من 8.1 مليارات دولار في 1995 إلى 210 مليارات دولار في 2014، في الترويج لنفسها بالتبرعات والانتقال بين عدة عواصم للقيام بوساطات تدعم موقعها.

وظلت الولايات المتحدة الأميركية راضية، على العموم، على الدبلوماسية القطرية، رغم انزعاجها في بعض الأحيان، ذلك أن الدوحة كانت قاعدة لمحادثات السلام الأفغانية، كما أن قاعدة العديد جرى استخدامها في شن الحرب ضد العراق والقيام بغارات في سوريا، لاحقاً.

وفي سنة 2002، سحبت السعودية سفيرها من قطر، جراء تمادي قناة الجزيرة في الإساءة للحكومة السعودية، ورغم أن العلاقات جرت إعادتها في 2008، إلا أن الدوحة لم تعدل عن نهجها المؤذي.

أما في سنة 2011، فوجدت قطر الفرصة سانحة لفرض نفسها عبر الأحداث التي اصطلح عليها بـ»الربيع العربي«، إذ لم تتوان الدوحة عن دعم الحركات المناوئة للحكومات، ولم تدخر شيئاً في دعمها الإعلامي عبر الجزيرة، والدبلوماسي عبر القنوات الرسمية.

وتمادت قطر في حماسها فانتقلت في وقت لاحق إلى الدعم بالمال، وبالأسلحة في أوقات أخرى، وراهنت في ذلك على أن تضع حكومات صديقة مكان الأنظمة الراحلة، ولأن المتطرفين كانوا واعدين بالنسبة إليها، فقد وضعت كل ثقلها وراءهم ودعمتهم من دون مواربة، لكن قطر التي لم تحقق مبتغاها، فقد أدت بتدخلها بالسلاح ودعمها للمليشيات، إلى زيادة الفوضى في دول مثل ســـوريا وليبيا، من خلال تنظيمات متشددة.

انتكاسة

وفي مصر، دعمت قطر جماعة الإخوان التي جرى إسقاطها في يوليو 2013، جراء تظاهرات شعبية حاشدة، ولم تكف قناة الجزيرة عن التحريض منذ ذلك الحين ضد مصر وجيشها. ولكن على نفوذها المتزايد، لم تستطع قطر مقارعة النفوذ الإقليمي للسعودية. وعانى حلفاؤها في الربيع العربي نكسات مدمرة، وعام 2013 تنازل الشيخ حمد عن السلطة لابنه تميم الذي لا يتمتع بخبرة كبيرة. وانتهت الفترة القصيرة التي لعبت فيها قطر دوراً إقليمياً.

أما المباركة الأميركية لتحركات الدوحة فلم تبق على حالها، إذ تقول نيويورك تايمز، إن الإدارة الأميركية تقف اليوم إلى جانب السعودية، إثر إعلان الرياض مع عواصم أخرى، قطع العلاقات مع الدوحة بسبب دعمها للإرهاب وتقويضها للأمن العربي. وانتهى الأمر بالدوحة إلى عزلة مع جوارها، وأضحت مخيرة بين التخلي عن دعم الإرهاب والرجوع إلى الصف الخليجي.

وفصّل المحلل والصحافي مارك فيشر وفق ما جاء في مقاله في صحيفة «نيويورك تايمز» كيف تعيد العداوة القطرية للسعودية رسم منطقة الشرق الأوسط. وأكد أن المخطط الشيطاني الذي وضعته قطر حرك عجلة أشبه ما تكون بالحرب الإقليمية الباردة التي لم تعد صياغة سياسات دول الخليج وحسب، بل دول منطقة الشرق الأوسط بأسرها، وقد بلغت ذروتها في شكل الأزمة التي تفجرت أخيراً. وشبّه فيشر الوضع بالقول وكأن كوبا تسعى للخروج من البوتقة الأميركية لتصبح قوة عظمى بين ليلةٍ وضحاها. وأضاف أن استراتيجية قطر قد انهارت في الآونة الأخيرة، مع فرض المملكة العربية السعودية وحلفائها الحظر والعزلة، في إطار أزمة لا تزال تتكشف فصولها.

وختم فيشر بالقول إنه على الرغم من توقع القلة انزلاق وتيرة التصعيد الحاصل إلى دوامة العنف، فإنه لا يزال من غير الواضح كيف ستجد الأزمة طريقها إلى الحل. وأشار إلى أن واقع الحال قد يفضي إلى وضع حدٍّ لعقدين من عداوة قطر للسعودية، أو يضيف طبقة أخرى من انعدام الاستقرار والتحالفات المتقاطعة التي تحبل بها المنطقة.

لعب على الحبلين

من جهته، قال الصحافي والكاتب الأميركي، كليفورد ماي في مقال بذات الصحيفة، إن ما من دولة تنصلت من التزامها بمحاربة الإرهاب كما فعلت قطر، فبالرغم من الصرامة التي أبدتها إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الابن، في محاربة التطرف عقب هجمات 11 سبتمبر، استطاعت الدوحة أن تحافظ على مراوغتها.

وأضاف الكاتب «إن الدوحة تؤدي دوراً ملتبساً، الأمر الذي يجعلها صديقاً وعدواً للولايات المتحدة، في الوقت نفسه، فقطر صديقة لواشنطن من ناحية أولى، وتستضيف أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط. ومن ناحية أخرى، تفتح قطر ذراعيها لحركة طالبان وتستقبل قادة حركة حماس المدرجة ضمن قوائم الإرهاب الأميركية».

فضلاً عن ذلك، تتخذ الدوحة موقفاً رخواً ومتساهلاً مع تنظيم القاعدة الإرهابي، كما أن قطر تقيم علاقات وثيقة مع إيران التي وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالدولة الإرهابية رقم واحد في العالم.

وبحسب ما ذكره الكاتب، فإن قطر دفعت مليار دولار لإيران وتنظيم إرهابي في العراق، في أبريل الماضي، لأجل تحرير رهائن من الأسرة الحاكمة.

وأشار ماي إلى تقارير إعلامية تحدثت عن لقاء بين وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني.

وأشار الكاتب إلى جاك سوليفان، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لدى نائب الرئيس الأميركي السابق، جو بايدن، الذي (نبه) قطر إلى بذل المزيد من الجهد لمحاربة تمويل الإرهاب.

كما أورد ماي حديث الباحث الكبير في مؤسسة الدفاع والديمقراطيات الأميركي دافيد وينبرغ، «إن غياب الشفافية يعرقل التحقق من تصريح المسؤولين القطريين باتخاذهم إجراءات حقيقية لمواجهة دعم الإرهاب».

ويوضح كليفورد ماي أن قطر لم تسر على نهج السعودية التي حاكمت المئات من الأشخاص بسبب الضلوع في تمويل الإرهاب، وهو ما لم يقم به القطريون، بحسب قوله.

ويخلص الكاتب في نهاية مقاله، إلى أن قطر بلغت مرحلة حاسمة هذه الأيام، فإما أن تنضم إلى المعسكر العربي، الذي التزم بمحاربة حازمة للإرهاب في قمم الرياض، أثناء زيارة ترامب للسعودية، أو أن ترتمي الدوحة أكثر في حضن إيران، لكن الشيء المؤكد هو أن اللعب على الحبلين ما عاد ممكناً أمام قطر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات