قطر أزاحت العرب الســـــــــنّة أمام المشروع الإيراني في العراق

يعاني العراق منذ عام 2003 انهيارات أمنية متلاحقة، تتوافق مواعيدها مع أي بوادر انفراج سياسي، وبالنتيجة تكاد القوى السنية العربية تضمحل من جراء تعرضها للحصار من قوى إرهابية من جهة، ومن ميليشيات طائفية موالية لإيران من جهة أخرى.

وتؤكد أوساط سنية عراقية أن تلقي الجماعات الإرهابية في مناطق الأنبار والموصل الدعم والرعاية الإعلامية من جانب قطر همّش القوى السنية الحقيقية التي يمكن لها أن تواجه المشروع الطائفي الإيراني. وأكدت المصادر أن المجتمع السنّي بات مدمّراً نتيجة سيطرة الإرهاب، كذلك التغطية الإعلامية الظالمة التي تصدرتها قناة الجزيرة بتأييدها الخفي لتنظيم داعش الإرهابي، وعدم السماح لأي رؤية سنية لا تتقاطع مع التنظيم الإرهابي.

ويرى سياسي عراقي رفض الكشف عن اسمه أن الدور القطري تكامل مع الدور الإيراني في تدمير المجتمع السني وتلميع الميليشيات الطائفية الموالية لإيران. فحين يخوض «الحشد الشعبي» معارك ضد تنظيم داعش، فإن من المحرج للعرب السنة تأييد الحشد، ومن المحرم تأييد «داعش». ويضيف: «هكذا بدأت قصة شيطنة العرب السنة الذي كانوا ضحية التكامل القطري الإيراني في العراق».
هدايا لـ«داعش»

ولا يستبعد الأستاذ الجامعي العراقي أحمد فؤاد الطائي أن تكون الحكومة القطرية قدمت «هدايا» لتنظيم داعش، مقابل خدمات معينة، مشككاً في الانسحاب المفاجئ والسريع له، من قضاء الحضر، جنوب الموصل، في أواخر أبريل الماضي، لمصلحة قوات الحشد الشعبي، لإعطائه سمعة قتالية فعالة.

ويعلل الطائي هذا الاعتقاد، بأن عملية الحضر تمت بمعزل عن الحكومة المركزية، وبمساهمة قوات عسكرية، نفذت أوامر ضباط «الدمج» الميليشياويين، فيما لم تعلن الحكومة ولا القيادة العامة للقوات المسلحة عن هذه المعركة أو نتائجها.

أما المحلل السياسي زيد الزبيدي، فكتب على صفحته في «فيسبوك»، أن «الحكومة القطرية كثيراً ما ادعت الدفاع عن العرب السنّة من العراقيين، ولكنها كشفت أخيراً عن وجهها الثاني بشكل فاضح، بدعمها لإيران وللميليشيات الطائفية الموالية لها، التي ما زالت تبطش وتنكل بالعرب السنّة، في أفظع عمليات التطهير الطائفي والتغيير الديموغرافي».ويشير الكاتب والصحافي سمير عادل إلى أن حكومة الدوحة استضافت ورعت العديد من المؤتمرات لسياسيين من العراقيين السنّة.

إلا أن نتائجها كانت مثل نتائج مبادرات المصالحة التي تبنتها حكومة المالكي، ولم تسفر إلا عن تغذية الانقسامات والتشرذم، ويبدو أن ذلك هو المطلوب، لمنع تكوين مرجعية موحدة وقوية ومعتمدة للمكون السني، الذي اشتهر بشخصياته الفذة، التي تم استبعادها بشكل منظم، بهدف إبراز وتقوية التيار الإخواني.

فتوى الفتنة

ولا يغيب عن البال بداية الانهيارات الأمنية في العراق التي بدأت بفتوى للمدعو يوسف القرضاوي عام 2003 على قناة الجزيرة في بث مباشر حينها، وأفتى القرضاوي بجواز قتل كل جندي أجنبي وكل من يعاون هؤلاء في العراق، وشكلت هذه الفتوى الأساس الفكري لجماعة «التوحيد والجهاد» التي اندمجت لاحقاً مع تنظيم القاعدة وتزعمها أبو مصعب الزرقاوي.

وكانت نتيجة هذا التحريض الذي قاده شيخ الفتنة ضد المؤسسات العراقية الفتية بعد عام 2003 إلى عزل العرب السنة عن المشاركة وتشجيعهم على مقاطعة أي استحقاق انتخابي، وأهمها الاستفتاء على الدستور العراقي الذي كانت نسبة مشاركة العرب السنة فيها متدنية جداً نتيجة الدعاية التحريضية من جانب إعلام قطر.

الأمر الذي أتاح للجماعات الطائفية المدعومة من إيران بتصدر المشهد السياسي والاستيلاء على الدولة العراقية دون عائق. وحرضت قناة الجزيرة أثناء وبعد سقوط نظام صدام حسين، على الفتنة والإرهاب والقتل على الهوية والنقل المباشر للعمليات الإرهابية، والتحريض على الحرب الأهلية وتقسيم البلاد على أساس طائفي، لأول مرة، والترويج لها، تكريساً لسياسة التفريق والفصل الطائفي والمكوناتي في العراق.

إعلام «بديل»

وتوقف بث إذاعة «داعش» في الموصل الأسبوع الماضي نتيجة اقتحام القوات العراقية أحياء الزنجيلي والشفاء والمستشفى، حيث كانت إذاعة التنظيم المركزية تبث من مكان قرب المستشفى الذي يشهد معارك ضارية، إلا أن وسائل الإعلام الرديفة لـ«داعش» تعوض عن فقدان التنظيم ماكينته الإعلامية، وعلى رأس هذه الوسائل قناة الجزيرة.

تسويق للإخوان

وفي السياق، يرى السياسي العراقي المخضرم فخري كريم، رئيس مؤسسة «دار المدى» الإعلامية، أن من الضروري تحديد الدور الإعلامي والسياسي لقناة الجزيرة، التي أصبحت محرضاً ومعبئاً، في اتجاهين متلازمين تحت شعار مخادع أصبح الآن مكشوفاً لمن كانوا عوناً لها، اتجاه «فضح الأنظمة الدكتاتورية، مقابل تسويق مباشر للتيارات الإسلاموية، الإخوانية بالدرجة الرئيسة».

وتساءل كريم: «هل يغيب عن البال، أو غض الطرف عن دور قناة الجزيرة في ترويج بيانات ورسائل زعيم القاعدة بن لادن، والسبق الذي كانت تحظى به أو انفرادها في الوصول إليه وإجراء المقابلات معه، ومع آخرين من دعاته وأنصاره؟ وهل تغيب عن هذا المخطط الاستراتيجي، صورة إدارة الجزيرة والقيمين عليها، الذين ينتمي جلهم إلى الإخوان وأنصار الجماعة؟».

ويشدد كريم على أن الإسلام السياسي ليس بإمكانه إلا إنتاج نظام شمولي طائفي يتنكر لمفهوم الديمقراطية، القائم على التداول السلمي للسلطة، ويسعى إلى مصادرة آراء الناس وتغييب الآخر عن المشهد السياسي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات