تزاحم الأبنية المرصوفة عشوائياً، عمودياً وأفقياً، وتداخل الأزقة الضيقة المبلّلة بالمياه الآسنة في كل الفصول، يخبرك وحده أنك في مخيم شاتيلا للنازحين الفلسطينيين في بيروت والذي وصله الطفل يحيى قادما من معسكر اليرموك في سوريا، لم يجد يحيى.

والذي لا يتعدى سنوات عمره 9 أمامه سوى مهنة تصليح الأحذية، بعدما واجه صعوبات كثيرة في العثور على مدرسة تستقبله كي يتابع تعليمه.

تعرف يحيى على جمعية «بسمة وزيتونة» وفي مركزها الثقافي تحديدا الواقع في وسط المنطقة السكنية من المعسكر بدأ يحيى تعلّم التمثيل والنحت، من خلال ورش العمل، فشارك في مسرحية «مجدّرة فلسطينية».

ونفّذ أعمالاً يدوية بمفرده، قبل أن يصل شغفه إلى التصوير الذي تعلّمه من أحد المدرّبين في الجمعية، فحمل الطفل كاميرته وجال في أزقة المخيم ليرصد حياته. وهناك، حيث يتنافس الأولاد على ابتداع ما ينسيهم مرارة الظروف فيقرّبهم الى طفولة نزحوا عنها مكرهين، اكتشف «النازح الصغير» موهبته في التصوير، وشارك في مسابقة قدّم خلالها صورة عن طفلة فلسطينية في المخيم تتحدّى صديقها بأنها تستطيع أكل التراب.

ويحيى هو واحد من الأطفال الذين يتشحون بمعاناتهم في هذا المكان الذي يضجّ بالأبنية «الرثّة» المكدّسة كأسوار سجن أو جدران مأوى.. فرّقتهم جنسياتهم ليجمعهم «الشتات»، في «مخيم الضيق الذي يتّسع لألف صديق»، حيث ارتسمت معالم أخرى لأطياف قرى ومدن سورية هجرها أهلها في ليلة ظلماء.

وذلك في إقامة مفتوحة يتشاطرون فيها الهموم ويتقاسمون العوز، فيصبحون على جوع ويمسون على حاجة.. وربما كانت عدوى القدر هي التي «جمّدت» التاريخ و«صهرت» الجغرافيا في حيّز واحد، ليشغله الفلسطيني اللاجئ والحالم بالعودة الى «الوطن المسلوب»، وشقيقه السوري النازح والهارب من كابوس حربٍ، فيما يبقى الأمل بـ«مفتاح العودة» إلى الديار، وألا يطول الاقتتال فتتطابق المصائر في مخيم هو بمثابة سفارة غير معلنة لوجودهم.

جسر تواصل

وفي الانتظار، ومن أجل كسر الصورة النمطيّة عن أحد مخيّمات اللجوء الفلسطيني، «مخيم شاتيلا» في بيروت (أنشئ العام 1949)، ومدّ جسر تواصل بين سكّانه والخارج، وإثبات قدرته على احتضان مبادرات فنيّة وثقافية، اختارت جمعية «بسمة وزيتونة للثقافة والفنون» أن تجمع فنانين متنوعين من جنسيات لبنانية وفلسطينية وسورية، خلال شهر مايو من كل عام (ذكرى النكبة)، في إطار احتفالية ثقافية - فنية تستمرّ لأيام في المخيم، وتطلق عليها اسم «شاتيلا اللقاء».

وذلك، بدعم من مشروع «بناء السلام في لبنان» التابع لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، وبتمويل من «الصندوق اللبناني للنهوض». وتتضمّن الاحتفالية: حفلات موسيقيّة وغنائية، عرض مجموعة من الأفلام القصيرة والأفلام المتحرّكة، معارض فنيّة، لوحات دبكة، وندوات حوارية عن أهمية العمل الفني والثقافي في البيئات المهمّشة.

ولأنها اتخذت على عاتقها جزءاً من مهمة التخفيف من معاناة النازحين وإعادة الأمل إلى نفوسهم المثقلة بالوهن، حجزت الجمعية لنفسها مركزاً في وسط المخيم، لتساعد المقيمين وتواكب الوافدين الجدد.

ووفق مبدأ «أن تضيء شمعة خير من أن تلعن الظلام» الذي اتبعته، لا سيما في مساعدة النازحين السوريين إلى لبنان، افتتحت الجمعية أول مكتبة عامّة لها في المخيم، والذي تبلغ مساحته نحو كيلومتر مربّع، هي المساحة الممنوحة لنحو 35 ألف شخص بالحياة، لم تنقص ولم تزدْ، وكأن لهذا المخيم ثوباً خيط على مقاس واحد، أو كأنه ينام وينهض في ثوبه، لا يبدّله خوفاً من أن يضيق عليه أثناء أحلامه.