قبل ثلاثة أعوام، وبينما كانت جموع الفلسطينيين تحيي ذكرى النكبة، بتظاهرات حاشدة، توجهت من ميدان المنارة، وسط مدينة رام الله بالضفة الغربية، إلى محيط سجن «عوفر» الاحتلالي، غرب المدينة، كان الطفل نديم نوارة (16 عاماً)، يشارك زملاءه الطلاب، بصدر عارٍ، وأيد فارغة، فوجوده في التظاهرة، كان الأداة الوحيدة للاحتجاج والمقاومة.
لكن أمام نديم ورفاقه، كانت قوات كبيرة من جيش الاحتلال، مدجّجة بالعتاد والسلاح، تبدو خائفة ومرعوبة، ومتحفزة للقتال، وعروق عنقها منتفخة.. لم تمهل هؤلاء فرصة لالتقاط حجارة الأرض، وقذفها على الجنود، فعاجلتهم بالرصاص الحي، ليرتقي نديم شهيداً، برفقة الشهيد محمـد أبو ظاهر.
عائلة نوارة، لم تستكن، ولم تكتف بوداع ابنها بزغرودة، كما جرت العادة في وداع الشهداء، بل إنها دخلت إلى «عين الكاميرا» وقررت محاكمة الجندي القاتل، مستعينة بتسجيلات وثّقتها كاميرات مراقبة، كانت مثبّتة على واجهة أحد المحال التجارية في المكان.
لقد «حصحص الحق»، من خلال تلك التسجيلات، التي أثبتت بالدليل القاطع، أن نديم لم يكن يشكل أي خطر على الجندي قاتله، ويدعى «بن ديري» وهو كغيره من الجنود، يعتبرون قتل الفلسطينيين جزءاً من عقيدتهم، وينفّذون ما يعتقدون أنه «الواجب» للدفاع المزعوم عن النفس.
«لن أنسى ما حييت، الطريقة الوحشية التي قتلوا بها ابني» قال صيام نوارة، والد الشهيد، وهو يستذكر التفاصيل التي شاهدها عبر تسجيلات الفيديو، ووثّقت لاستشهاد ابنه، ليحتفظ بها في ذاكرته التي «لن تنسى».
أضاف لـ«البيان»، «في خزانة نديم، خواطر، ومحاولات شعرية، صور ورسومات، لكن في المقابل هناك مفارقات موجعة، بوجود غريزة متوحشة لا ترحم البشر، فإرهاب جنود الاحتلال، وشهيتهم لقتل أطفال فلسطين، وصلت إلى حالة، هي أشبه بطقوس العبادة، لكن على الرغم من ذلك، القصة الدموية التي أفضت إلى نهاية حياة ابني نديم، بدأت معها حياة أخرى.
فعمِلتُ مع مجموعة من ذوي الشهداء، الذين اكتوت قلوبهم برحيل أبنائهم، على تأسيس «جمعية مساءلة»، وهدفها حماية الأطفال الفلسطينيين، من خلال ملاحقة القتلة، وفضح ممارساتهم، ووضعنا أمام أعيننا شعاراً قوامه، نريد حياة آمنة لأطفالنا، نريد لهم أن يدفنوننا، لا أن ندفنهم.
وتابع، ذكرى النكبة، تفتح في كل عام، جرحنا الذي لم يندمل، فأجواء الحزن لم تفارق بيتنا، ولم يدخله الفرح منذ استشهاد نديم، وأنا على يقين بأن الفرح لم يدخل بيوت من هُجّروا عن قراهم ومدنهم، منذ 69 عاماً، ولا زالوا يحلمون بالعودة، الشعور بالحزن يتكرر في منازل الفلسطينيين منذ النكبة.
