زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى روسيا للقاء نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بالتزامن مع الجولة الرابعة من مفاوضات أستانة بين أطراف النزاع السوري، ليس مقصوداً على الأرجح، لكن تصريحات بوتين وأردوغان أوجدت علاقة بين الحدثين.
الأوروبيون يربطون دائماً بين أي تقارب تركي مع روسيا بالتوتّر بين أنقرة من جهة والولايات المتحدة والدول الأوروبية من جهة أخرى، وربما كان استخدام أردوغان مصطلح «صديقي بوتين» رسالة في هذا الاتجاه.
لكن من الواضح أن هذا التقارب ينعكس إيجاباً على الأزمة السورية، وهذا ما بدا واضحاً في التأييد السريع الذي أبداه أردوغان للمبادرة الروسية القاضية بإقامة مناطق «خفض التوتر» أو المناطق الأمنية في سوريا، وهي كما اتضح من بنودها ووفق محللين غربيين، تختلف عن مفهوم «المناطق الآمنة» التي طالما دعا إليها المسؤولون الأتراك والغربيون.
الرئيس الروسي قال في المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره التركي إن إقامة المناطق الأمنية في سوريا ستعزز نظام وقف إطلاق النار، ووافقه أردوغان على هذا التوصيف، ثم شاركت تركيا في اليوم التالي على اتفاقية إقامة هذه المناطق التي جرى ربط إقامتها بموافقة الحكومة السورية، وجعلت من موسكو وأنقرة وطهران ضامناً لتنفيذها.
المفهوم الصراعي
المفهوم الصراعي والعسكري الدراج في الحروب يعرّف مناطق «خفض التوتّر» بأنها مناطق أو مساحات معينة تعمل دول وأطراف ما على تخفيف وضبط الأعمال القتالية فيها، وهي أقل تأميناً وحماية من المناطق الآمنة التي تقام عادة بمناطق تتعرض لحروب وصراعات داخلية.
ومن أهم العناصر التي تجعل مفهوم أو إجراء «مناطق خفض التوتّر» في سوريا مختلفاً عن مفهوم «المناطق الآمنة» التي تكرّرت المطالبة بها من جانب المعارضات والكثير من الدول، أن اتفاقية مناطق «خفض التوتّر» أخذت بالاعتبار «سيادة سوريا» ووحدة أراضيها ولا تتضمن أي حظر للطيران، كما أنها لا تشمل بل تؤكد على استمرار المجموعات المصنّفة إرهابية مثل تنظيم داعش وجبهة النصرة.
اللاعب الروسي
بعض المراقبين يرى أن هذه الاتفاقية بمثابة تبنّ للتصور الروسي، ما يعني إقرار جميع الأطراف بأن موسكو تبقى الطرف الأكثر إمساكاً بالملف السوري. وما يؤكّد ذلك، أن بوتين، بحسب الإعلام الأميركي والروسي، حصل على موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن «مناطق خفض التوتّر»، مع العلم بأن ترامب كان دائماً يطالب بمناطق آمنة.
أما أردوغان فإنه تبنى التصوّر الروسي وبدا في كل مفاصل الأزمة السورية أقرب إلى الروس بسبب ما يراه انحيازاً للجماعات الكردية في شمال سوريا ضد الرغبة والمصالح التركية، وكذلك بسبب التوتّر المتصاعد مع أوروبا.
المحلل الفرنسي العسكري لوران بيرون علّق على هذا التطور بالقول «إن الحرب في سوريا أخذت (بعد هذه الاتفاقية) منحى جديداً يكمل به الانتصار السياسي للعبقرية الروسية النصر الكامل على الجغرافيا».
مضيفاً أن «الروس استطاعوا استمالة الأميركان ببديل للمناطق الآمنة بمفهوم جديد يعرف عسكرياً بخفض التوتر وبهذا تبقى سيادة الحكومة السورية على الجغرافيا السورية كاملة حتى لو وجد المراقبون لأن المستضيف بحكم البروتكول السياسي الدولي يبقى الحكومة المركزية أي الحكومة السورية».
50 %
اعتبر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أن خطة موسكو لإقامة «مناطق خفض التوتر» في سوريا ستساهم في حل النزاع المستمر منذ ستة أعوام بـ50 في المئة.
وفي حديثه إلى صحافيين أتراك في طائرته أثناء عودته، الخميس من سوتشي على البحر الأسود، أكد أردوغان أن هذه المناطق ستتضمن إدلب، وجزءاً من محافظة حلب والرستن في حمص، إضافة إلى جزء من كل من دمشق ودرعا.