قد يثير الرقم المعلن عن أن 50 في المئة من العراقيين، هم من الشباب والصبية دون سن الـ16 سنة، نوعاً من التفاؤل بأن المستقبل في العراق يبشر بجيل من الشباب سيقود البلاد، ويكون المؤثر الفعال في رسم وتنفيذ الأمور السياسية والاقتصادية والتكنولوجية وغيرها.
ولكن هذا الرقم الكبير يتضمن ما هو «صادم»، بكون ثلثه من «الأيتام» الذين فقدوا أحد الأبوين أو كليهما، وعاشوا وترعرعوا، بعد الاحتلال، في ظل ظروف أقل ما يقال عنها إنها «قاتلة»، لم يسلم منها حتى الكثيرون جداً ممن عاشوا في كنف والدين.
وربما فقدوا إخوة وأقارب وأصدقاء، إضافة إلى التفكك الأسري والمجتمعي الذي أفرزه الاحتلال، والحكومات المتعاقبة منذ 2003 إلى حد الآن، من دون وجود أي حلول لهذه «المستقبلية» الهشة والمضطربة.
ولا تتضمن هذه الأرقام والمعلومات أيتام الحرب العراقية - الإيرانية، التي اندلعت قبل 37 سنة، واستمرت ثماني سنوات، لأنهم أصبحوا كباراً الآن، وكانت لهم ولعائلاتهم ظروف مختلفة، من مخصصات مالية وأراضٍ سكنية.
إضافة إلى قوانين وقرارات تحمي الأيتام، منها تخصيصات مالية لمن يتزوج أرملة «شهيد» مع تكاليف الزواج ومخصصات للأطفال أن وجدوا، وعموم الرعاية والخدمات المتاحة، لذلك كانت الكثير من العوائل تفضل زواج الأرملة من شقيق أو قريب زوجها الراحل، لضمان عدم التشتت الأسري.
وكذلك الاستفادة المالية، كما كانت هناك دور للأيتام تابعة للدولة، تحظى بالمقبولية، وهي الآن شبه معدومة.
النسبة الأكبر
وتذكر المنظمات الدولية أنّ العراق يضم النسبة الأكبر من الأيتام قياساً بعدد سكانه، وتقول منظمة الأمم المتحدة لرعاية الأمومة والطفولة «اليونيسيف» إن العدد يقدر بأكثر من خمسة ملايين و700 ألف طفل، يعاني معظمهم الفقر والمرض، وهذا الرقم المهول ينذر بكارثة إنسانية ومجتمعية، وسط حالة فوضى وواقع مرير تعيشه البلاد.
حيث يرى باحثون اجتماعيون أن أخطر ما يواجه المجتمع هو «جيش من الأيتام»، ومعظمهم يعيشون تحت خط الفقر، بلا تعليم ولا مأوى، ما جعلهم فريسة سهلة أمام العصابات والتنظيمات الإرهابية والميليشيات الطائفية.
عمليات ابتزاز
وتقول الباحثة الاجتماعية ظفر الجبوري: «من خلال عملي في مركز قانوني تابع لمنظمات المجتمع المدني، تلقيت شكاوى أمهات لأطفال يتامى عن عدم إمكانيتهن السيطرة على أطفالهن، وأن الحالة المعيشية الصعبة اضطرتهن إلى دفع أبنائهن إلى العمل في ظروف قاسية لتأمين لقمة العيش، ما يعرّض الأطفال للابتزاز والمتاجرة بهم.
إضافة إلى زجّهم في المجاميع المسلحة والميليشيات، فضلاً عن استغلالهم في الملاهي الليلية».
من جهته، يشير مدير منظمة سبل العطاء الإنسانية، زياد علي، إلى عدم وجود إحصائية دقيقة عن العدد الحقيقي للأيتام في العراق، بسبب غياب التنسيق بين وزارة التخطيط ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
لافتاً إلى أن العاصمة بغداد تحتل النسبة الأعلى تليها البصرة، ثم الأنبار وديالى، ولا دور يُذكر لدُور الأيتام الحكومية في رعاية هؤلاء، لقلة عددها فضلاً عن مخاوف من استغلال تلك الدور لتجارة الأعضاء البشرية، وهذه معلومة غير موثقة رسمياً، ولكن البعض يتحدث عنها، وتسترت الحكومة عليها.
اختطاف الأيتام
ويبلغ عدد دور الأيتام الحكومية حالياً 22 داراً لكلا الجنسين، بحسب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، منها أربع دور في بغداد و18 داراً في بقية المحافظات، ولا يتجاوز عدد الأيتام المسجلين في دور الدولة 700 يتيم.
وتذكر رابطة المرأة العراقية أن إحدى دور الدولة للأيتام في «الأعظمية» تعرضت لاختطاف الفتيات من قبل مجموعة مسلحة، وقد أنكرت وزارة العمل أية صلة لها بالدار، وعلقت فقط بأن «الأيتام خُطفوا من قبل إرهابيين ونقلوهم إلى جهات مجهولة».
وتشير رابطة المرأة إلى أن هناك قصصاً مؤلمة عن هذه الشريحة، بقي الكثير منها طي الكتمان لا يبوح بها أصحابها، غير أن الحقيقة الصارخة التي تبقى هي أن الأيتام يعيشون وضعاً مأساوياً وحالة من العوز المادي والضيق، بسبب عدم احتوائهم واحتضانهم من قبل أية جهة رسمية.
