حين تروي أم علاء قصّتها، لا تستطيع إلا أن تذرف الدمع منذ اللحظة الأولى، فالأخاديد التي ارتسمت في وجهها الشاحب ينبعث منها الألم وتجسد خسارة كل أم سورية مما يجري هناك.
خرجت هذه المرأة المسنة، من مدينة دير الزور في أقصى الشرق السوري، في العام 2014 حين أحكم تنظيم داعش الإرهابي قبضته على نصف المدينة، والتحقت بموجات النزوح حتى انتهت بها الرحلة في الأراضي التركية وهي لا تعلم أين أصبحت.
بدأت قصة أم علاء من دير الزور كما ترويها لـ «البيان» منذ بداية الأحداث في سوريا، وبخوفها على فلذات أكبادها، وبحكم العقلية السورية التقليدية التي تعلمت من حقبة الثمانينات عدم الخروج على السلطة، حذّرت هذه المرأة أولادها الثلاثة من مغبة الانخراط في هذه التجربة. كان علاء مهندساً ناجحاً في حقول النفط في دير الزور، بينما دخل بلال وغسان التوأم كلية الطب في جامعة حلب، وبلغا السنة الثالثة مع بداية الأحداث العام 2011.
رغم التحذيرات
تقول أم علاء إن أولادها الثلاثة ورغم التحذيرات من عدم خروجهم في مظاهرات ضد النظام، إلا أنهم كانوا يخرجون خلسة ومن ثم يعودون، ومع تحوّل الأزمة إلى صراع مسلّح، التحق الأخوة الثلاثة بفصائل الجيش الحر آنذاك، لتقع هذه المسنّة في مصيدة المرض، وعلى الرغم من مرضها بعد التحاق أولادها الثلاثة بالجيش الحر، إلا أنهم لم يراعوا ظروف أمهم المسنة.
تقول إنها عاشت في العامين الأولين من الأزمة بقدر عشرين عاماً، وتؤكد أنها لم تر خلال سنتين يوماً مفرحاً، بل كان الخوف والقلق يسيطران عليها في صبيحة كل يوم ونهاية كل مساء، وتخشى سماع خبر مقتل أحد أبنائها.
تصمت أم علاء وتتابع الحديث، بدموع لا تتوقف وتستذكر التاريخ الذي تعتبره صاعقاً وآخر طعم للحياة، حيث وقع المحظور، ابن أخيها يبلغها بمقتل المهندس علاء في اشتباكات مع قوات النظام حين خرجت من ريف دير الزور. مات علاء ومات نصف جسدها كما تقول، الصدمة الأكثر ألماً أنها لم تتمكن من رؤية الجثة لتدفن في مكان مجهول، كما الكثير من الجثث.
الصدمة الكبيرة
كانت الصدمة كبيرة على هذه المرأة العجوز، وقررت التمسك بالطبيبين التوأم مهما كلّف الأمر، حتى لا تتسع الخسارة وتتحول الحياة إلى جحيم. وتقول: طالما ذهبت إلى الجبهات في ريف دير الزور أبحث عن أولادي. ورغم أن من يعرفها كان يحاول منعها من الذهاب إلى تلك المناطق، إلا أنها في كل مرة تنهر الشباب وتصمّم على الذهاب، لكنها تفشل في الحصول على بلال وغسان.
وتضيف: لم أدّخر أي جهد أو وسيلة، وتوسلت أولادي أن يتركوا السلاح ويعيشوا إلى جانبي، فهي لا تملك سواهم وأختيهم المتزوجتين. وبعد أن خرجت قوات النظام أصبح ريف دير الزور بيد الفصائل المسلّحة ومن ثم سيطرت عليه جبهة النصرة، ليخرج الشابان من هذا الصراع باعتبار أن قوات النظام لا وجود لها على الإطلاق، وقررا بعد أن أصبحا مطلوبين للنظام، مساعدة الناس في المستوصفات بحكم خبرتهما المتواضعة في الجامعة.
مصدر السعادة
كان ذلك الأمر مصدر سعادة لأم علاء، إلى أن وقعت الواقعة في صيف 2014، حين دخل تنظيم داعش إلى مدينة دير الزور وبدأ يلاحق كل المنتسبين إلى الجيش الحر، معتبراً إياهم مرتدين يجب ذبحهم، وكان غسان وبلال أول المنحورين بسكين «داعش».
هنا انتهى كل شيء بالنسبة لأم مثل أم علاء، خسرت ثلاثة من أولادها في أقل من عامين. ولم تتوقف الكارثة، فحين علم التنظيم أن أولاد أم علاء كانوا في الجيش الحر، طلبوا منها مغادرة منزلها وصادروه. خرجت أم علاء مع عائلات لا تعرفها تنتقل من قرية إلى أخرى، ليستقر بها الحال في مخيم الريحانية على الأراضي التركية، بينما تنفق عليها ابنتاها اللتان هربتا مع زوجيهما إلى ألمانيا. تقول أم علاء إنها لم تعد تبصر جيداً فالدمع لا يغادر عينيها، وهي تتوقع يوماً عودة أبنائها.. فالصدمة عصيّة على الاستيعاب.