لم يكن أمام أبدير حسين، مع جفاف الآبار في قريتها ونفوق ماشيتها بسبب جفاف المراعي في جنوبي الصومال، سوى فرصة واحدة أخيرة لإنقاذ أسرتها من الجوع: جمال ابنتها زينب البالغة من العمر 14 عاماً.

في العام الماضي عرض رجل يكبرها في السن ألف دولار مهراً لزينب وهو ما يكفي لنقل عائلتها الممتدة إلى بلدة دولو الصومالية على الحدود الإثيوبية حيث توزع وكالات الإغاثة الدولية الطعام والماء على العائلات الفارة من جفاف مدمر.

وقالت زينب ذات العينين السوداوين والصوت الناعم «أفضل الموت. أفضل لي أن أهرب إلى الأدغال وتأكلني الأسود». وردت والدتها «آنذاك سنبقى ونموت جوعاً وستأكل الحيوانات عظامنا».

وهذا الحديث الذي نقلته الابنة والأم لـ«رويترز» مثال للخيارات التي تواجه العائلات الصومالية بعد عامين من ندرة الأمطار. ذبلت المحاصيل وتناثر عظام الماشية في أنحاء البلاد.

وقايضت أبدير حسين حرية ابنتها زينب بحياة شقيقاتها. وقالت من كوخها المتهالك المصنوع من العصي وقطع القماش وشرائح البلاستيك الذي يؤويها مع أفراد أسرتها الممتدة البالغ عددهم 14 شخصاً «إنه شعور سيئ للغاية، قضيت على أحلام طفلتي. لكن من دون هذا المال من المهر سنموت كلنا».

ولكن زينب، ذات اليدين المرسومتين بنقوش الحناء، التي ترتدي غطاء رأس ضيقاً وتنورة طويلة باهتة تحتها سروال موشى بأحجار لامعة على طرفه الأسفل، تملك إرادة حديدية. فهي تريد أن تصبح معلمة لغة إنجليزية وتريد استكمال دراستها ولا تريد أن تتزوج.

وقالت «أريد شيئاً مختلفاً عن ذلك» وكان ابن شقيقتها الرضيع يحبو عارياً على الرمال بجوارها وشقيقه الأصغر يبكي بصوت واهن.

لكن على الكفة الأخرى من الميزان في مقابل أحلام زينب، تقع حياة 20 من أبناء وبنات شقيقاتها الثلاث وجميعهن تزوجن صغيرات وطلقن. وهناك أيضاً شقيقها الأكبر الذي أنهكه الهم وشقيقتها الصغيرة ووالداها.

كانت الأسرة ذات يوم تملك أبقاراً وأغناماً وثلاثة حمير كانت تؤجرها مع عربات كوسيلة مواصلات. لكن الحيوانات نفقت وأصبحت زينب أملهم الوحيد.

رفضت زينب، على مدى أشهر، وظلت متقوقعة على نفسها تحاول الهرب كلما نسوا أن يغلقوا عليها باب الغرفة. لكنها أذعنت في نهاية الأمر أمام عوز أسرتها الشديد.

وقالت أمها التي ترك القلق علاماته على جبهتها وهي جالسة بجوار ابنتها متجهمة الوجه «لم نكن نرغب في إجبارها، الضيق يجعلني لا أستطيع النوم. عيناي متعبتان حتى إنني لم أعد أستطيع لضم إبرة». دفع المهر وأقيم العرس والتأم شمل العروسين. بقيت زينب ثلاثة أيام ثم فرت هاربة.

عندما استأجرت أسرتها سيارات لنقلهم مسافة 40 كيلومتراً إلى دولو سافرت زينب معهم. والتحقت بالمدرسة المحلية حيث تغطي ألواح حديدية مموجة جدران الفصول المبنية من أعواد الخيزران في المدرسة التي تضم عشرة مدرسين ونحو 500 طالبة.

وتبعها زوجها. تحكي زينب بهدوء «يقول إذا ما رفضتني الفتاة يجب أن أسترد أموالي. أو سآخذها بالقوة، بعث إلي برسائل تقول أعطيني المال أو سأعيش معك كزوجك».

لا تستطيع أسرتها أن ترد ولو جزءاً يسيراً من المهر. فكل ما يملكونه هو حاشيتان أسفنجيتان متسختان وثلاث أوان للطهي ومشمع برتقالي يغطي منزلهم المؤقت. ليس لديهم شيء آخر لبيعه.

ثم قرر مدرس زينب في اللغة الإنجليزية عبدالولي محمد هرسي أن يتدخل في الأمر.

اصطحب هرسي زينب إلى جماعة مساعدة محلية أخذتها بدورها إلى جماعة «كوبيراتسيوني انترناتسونالي» الإيطالية للإغاثة. وقرر المنسق الإقليمي الذي كان في زيارة للمنطقة مع مانحين من الاتحاد الأوروبي أن يتدخل.

تحكي ديكا وارسامي وهي تصب الشاي لزميلاتها اللائي تجمعن لسماع القصة «يجب أن نفعل شيئاً من أجل هذه الفتاة، وإلا ستواجه اغتصاباً كل ليلة». كان موظفوها يحتفظون بأموال للأعمال الخيرية فوفروا المال اللازم لسداد المهر.

وقالت وارسامي لزينب إن المجموعة ستتوسط لعقد لقاء بين رجال الأسرتين. سيسترد زوجها ماله إذا ما طلقها أمام شهود. رفعت زينب عينيها السوداوين عن الأرض وتساءلت «هل سأكون حرة؟».