من غير المعقول أن تكون تركيا اكتشفت فجأة وخلال انشغال جنودها في حربها ضد قوات سوريا الديمقراطية وتنظيم داعش أن عملية درع الفرات قد حققت أهدافها، فما هو السر في إعلانها المفاجئ انتهاء الحملة العسكرية في شمال سوريا التي حملت اسم «درع الفرات» التي بدأتها في أغسطس الماضي؟

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وفي أعقاب انتهاء اجتماع أعضاء مجلس الأمن القومي التركي الأسبوع الماضي إن الحملة تكلّلت بالنجاح، لكن الخبراء العسكريين، وهم يشكّكون في كلمة «نجاح»، بدأوا بمحاولة لاستنباط المعاني، واستخلاص الوقائع المخفية وقراءة الحال.

ويرى الخبير العسكري الأردني مأمون التميمي «أن القرار جاء استباقياً قبيل زيارة وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون إلى العاصمة التركية وترتيباته لمشهد الرقة وهو أمر غير بعيد عن أسباب القرار التركي». ويشير إلى أن «السياسة التركية الحالية استغلت محاولة الانقلاب لتنقلب هي الأخرى على كل مراكز القوى العلمانية والقومية أو الطورانية في تركيا».

القرار الحلم

ويضيف التميمي: «في هذا الوقت بل قبله اتخذ البرلمان التركي القرار الحلم بالنسبة لأردوغان، وهو تحويل النظام الحاكم من برلماني رئاسي». ويشير إلى أن تحالف أردوغان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يبتعد عن الأسباب الداخلية لتركيا. ويضيف: «من أجل أن لا يثير أحداً من دول الجوار ومن الأوروبيين تحديداً وحتى لا يكون محل شبهة التطرف الذي يريد أن يسعى لغايته من خلال الطرق الناعمة لجأ اردوغان للتحالف مع الروس حتى يأمن شرّهم حتى وإن كان هذا التحالف على حساب مواقفه المعلنة».

وعلى حد قول الخبير العسكري الأردني، «ليس بعيداً عن درع الفرات كانت استجابة أردوغان لمخطط روسي سوري باستعادة حلب من خلال علاقاته بالجيش الحر وسحب خيرة المقاتلين من المدينة، متعهداً لهم أن الروس لن يعودوا لقصف حلب بينما هاجم الروس حلب بضراوة غير مسبوقة بعد سحبه لتلك القوات، فيما سخّر هؤلاء المقاتلين لقتال تنظيم داعش، ومنع لاجئي حلب من الدخول الى تركيا».

وبالنسبة الى التميمي، «لم يكن كل ذلك ليمر على بوابة المراقبة الغربية لكل ما تقوم به تركيا فاتخذت الدول الأوروبية ومعها الولايات المتحدة الأميركية قراراً - فيما يبدو - بالتصدي لأردوغان بكل الوسائل والسبل المتاحة».

يقول التميمي: «من هذا السياق لم يوافق الأميركان على استبدال قواته بديلاً عن قوات الحزب الديمقراطي السوري الكردي في الحرب على داعش في الرقة، بل مضى القرار الأميركي أبعد من ذلك، بدعم الحزب الانفصالي ومشاركته بقتال داعش في الطبقة والرقة».

الأمن التركي

ويجيب الباحث التركي محمد عثملي عن سبب استدارة أنقرة بإعلان انتهاء درع الفرات رغم تأكيدات سابقة لأردوغان أن العملية ستمر عبر الرقة بالقول: إنّ ما يحدّد الحديث حول هذا الموضوع هو أهداف عملية درع الفرات الرئيسة، التي تتركز في حماية الأمن القومي التركي، وإيقاف مشروع الإقليم الانفصالي في الشمال السوري، وكذلك القدر المتعلق بتحقيق الجزئيات المهمة من هذين الهدفين.

يقول عثملي لـ «البيان»: ثمّة فرق بين أهداف الدولة التركية في دعم المعارضة العسكرية، وبين الجزئية التي تتخصص في درع الفرات، أما بالنسبة للرقة فإنها لن تتجاوز تركيا، والعقبة الرئيسة في ذلك بالنسبة لتركيا تتمثل في دعم أميركا للفصائل الكردية، والاتفاق الروسي مع هذه الفصائل، فهما الحاجز الأهم لتقرير علاقة تركيا بتحرير الرقة.

ويقول عثملي إنّ الدعم الأميركي للقوات الكردية يؤرق الجانب التركي، والمشاورات بشأن هذا الملف قائمة، لا سيما وأن أميركا بحاجة لتركيا في القضية السورية.

نجاح وفشل

أكد الباحث بمركز ستا التركي للدراسات جان آجون أن عملية درع الفرات حققت أهدافها المتعلقة بالقضاء على تنظيم داعش بمناطق جرابلس والباب ومنبج، و«تطهير» تلك المناطق من القوى الانفصالية الكردية المناوئة لأنقرة. وقال آجون إن العملية أغلقت الباب أمام الهجمات التي كان «داعش» ينفذها في الداخل التركي. لكن الباحث التركي استدرك بأن هدف التقدم إلى منبج لم يتحقق بسبب العمليات العسكرية التي تنفذها كل من الولايات المتحدة وروسيا والجيش السوري في المنطقة.