في نهاية مارس الماضي أعلنت تركيا انتهاء عملية «درع الفرات» في شمال سوريا، لكنّها لم تتحدّث عن نيّتها سحب قواتها من هذا البلد العربي، بل قال مسؤولوها إنهم قد يشنّون عملية جديدة بمسمى آخر. وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قال إن بلاده لن تسحب قواتها من شمال سوريا قبل أن تصبح القوات المحلية قادرة على التحكم في الوضع على الأرض بنفسها.

ويبدو أن إعلان تركيا عن انتهاء «درع الفرات» فرضته متغيرات عسكرية وضعت الوجود التركي في سوريا أمام خيارات صعبة، وبخاصة في ظل التوافق الروسي الأميركي على خطوط حمراء لأنقرة، وإيعاز روسيا لقوات النظام لقطع الطريق على قوات درع الفرات أمام الوصول إلى مدينة منبج وقطع الطريق على أي تعاون أميركي تركي في معركة الرقة المنتظرة. ولا توجد مؤشرات على أن الموقف الأميركي قد تغير بخصوص تركيا بعد الضربة التي شنتها واشنطن على مطار عسكري سوري، فلا تزال معركة الرقة تسير وفق الخطة الأساسية والتي لا دور لتركيا فيها.

اعتذار خطي

جدير أن نلاحظ أن تركيا التي تسعى للحصول على دور في إدارة الأزمة السورية وحلّها، لا تستطيع أن تحصل سوى على ما يعطى لها من موسكو وواشـــنطن، فالأولى داعمة للنظام والثانية تحاول الموازنة في عـــلاقاتها المعلنة بين طرفين متناقضين هما تركيا والأكراد.

وفي حـــين أن أنقرة لم تستطع الحيلولة بين واشنطن ودعم الكرد، حصلت على «غض نظر» موسكو عن عمليـــتها العسكرية في شمال سوريا، ولم يكن بإمكـــانها التوغّل شبراً واحداً في أرض سوريا أو أجوائها، في الفترة المتوتّرة التي أعقبت إسقاط الطائرة الروسية، وقبل أن يعتذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خطياً ثم خلال زيارة إلى الــعاصمة الروسية ولقاء نظيره الروسي فلاديميـــر بوتين والإعلان عن تعويضات ماديّة مجزية لذوي الطيار.

صحيح أن القـــوات التــركية ومن تحت لوائها من مقاتلين معارضين، تمكّنوا من السيطرة على مدن سورية عدة من قبضة تنظيم داعش، وأهمّها مدينة الباب، لكن الأصح أن مخطط تركيا لم تكن هذه المدينة نهايته بل متكأه للوصول إلى جبهة حلب التي سبقه جيش النظام السوري إليها، بل وصل إلى الأعتاب الجـــنوبية والغربية لمدينة الباب، ليتوقّف الزحف التركي عند تلك النقطة.

هدف حقيقي

لكن إذا توقّفنا عند مسمى العملية وهو «درع الفرات» يتّضح أنه يحمل في طياته أهدافاً على علاقة بـ«إبعاد المقاتلين الأكراد إلى شرق نهر الفرات»، أكثر من محاربة تنظيم داعش، ويمكن هنا الانتباه إلى ملاحظة مراقبين بأن «داعش» انسحب من مدينة جرابلس من دون قتال، وهو أمر لم يسبق أن فعله هذا التنظيم المتشدد في أي منطقة وقعت تحت سيطرته.

كما أنه بعد بضعة أيام من بدء عملية درع الفرات يوم 24 أغسطس الماضي، بدأت ترتفع أصوات رسمية تركية تربط بين العملية و«الطموحات الكردية». إذن لا بد من أخذ هذه الأبعاد ونحن نحاول الحكم ما إذا حققت العملية أهدافها، كما تعلن أنقرة، أم أنها لم تنجح في ذلك، أو نجحت جزئياً.

مستشار القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية ناصر حاج منصور اعتبر التدخل التركي احتلالاً مباشراً واستباحة للأرض السورية. بعض المسؤولين الأتراك وعلى مستوى القيادة اعترف أن هدفهم من التدخل المباشر ليس طرد «داعش» بل منع تقدم قوات سوريا الديمقراطية التي سبق لها أن حررت مدينة منبج بالكامل من تنظيم داعش.

ما يزيد من قلق القادة الأتراك واضطراب حساباتهم أن الولايات المتحدة تدعــم وتنسق مع وحدات حماية الشعب الكردية التي تصنفها إرهابية لصلتها بحـــزب العمال الكردستاني.

الأمر الواقع

لكن بعد أن حققت تركيا نجاحاً ما وسيطرت على الباب، تصطدم الآن بمعطيات الأمر الواقع التي لا تسمح لها بالتقدم أكثر في شمال سوريا. ولا ننسى أنه خلال عملية درع الفرات كان القادة الأتراك وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب أردوغان يكررون القول إنهم سيذهبون إلى منبج إذا لم ينسب منها القوات التركية، وأنهم سيشاركون في معركة تحرير الرقة، بـ«شرط» عدم مشاركة القوات الكردية فيها.

عقد العزم

في 26 أكتوبرالماضي، أعلن أردوغان بوضوح أن تركيا عاقدة العزم على إخراج الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني، أي وحدات حماية الشعب، من بلدة منبج في شمال سوريا، بعد إخراج تنظيم داعش من الباب، وذلك لإنشاء «منطقة خالية من الإرهاب» تضم مدن الباب، والراعي، وعزاز، وجرابلس ومنبج.

لكن منع تركيا تحقيق أهداف الأكراد شيء لا يعني تحقيقاً لأهدافها الذاتية. وبهذا المعنى يشير ، مدير مركز برجاف للإعلام والحريات فاروق حجّي مصطفى إلى أن سيطرة درع الفرات على الباب حالت دون الطموحات الكردية في ربط كوباني وعفرين بواسطة الباب وريفها، وبالتالي ربط المناطق الكردية في شمال شرق سوريا، إلا أن الأهداف الرئيسية التركية، ومنها ما هو معلن، كانت تضع منبج هدفاً بعد الباب من أجل إقامة منطقة حكم الأمر الواقع وكسب منفذ إلى جبهة حلب.

وطن صغير

ويرى الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى سونر جاغابتاي أن التوغل التركي سيسمح لأنقرة بإنشاء وطن صغير للقوات المدعومة من تركيا في شمال غرب سوريا، ليتم استخدامه ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد. وما يدعم هذا الاستنتاج أن أردوغان ذاته قال في أواخر نوفمبرالماضي إن قواته دخلت الأراضي التركية لإسقاط نظام الأسد قبل أن يتراجع بفعل غضب موسكو من تصريحه.

أما الوصول إلى منبج، وهو هدف معلن لأنقرة، فقط بات هدفاً بعيد المنال خصوصاً بعد أن سلمت «قوات سوريا الديمقراطية» قوات النظام السوري عدداً من القرى الواقعة على تماس مع مناطق سيطرة القوات التركية والفصائل المعارضة القريبة منها في شمال سوريا، مطلع مارس الماضي، بعد معارك خاضتها هذه القوات ضد القوات التركية والفصائل المعارضة المنضوية في حملة «درع الفرات» شرق مدينة الباب في ريف حلب الشرقي.

وأدرج المجلس العسكري لمنبج وريفها، المنضوي في صفوف «قوات سوريا الديمقراطية» قراره في إطار «حماية المدنيين.. وحفاظاً على أمن وسلامة مدينة منبج وريفها، وقطع الطريق أمام الأطماع التركية باحتلال المزيد من الأراضي السورية»، ما يعني، بنظر مراقبين أن الأمر تطور إلى شبه تنسيق أميركي روسي في مواجهة الخطط التركية التي كانت تستهدف منبج في حال منعت أنقرة من المشاركة في معركة الرقّة.

تحوّل أميركي

وما زاد عبء الوضع على انقرة، أن المواقف الأميركية تحوّلت من محاولة تطمين تركيا إلى تحذيرها، حيث عبّر قائد القوات المركزية الأميركية (سنتكوم) جوزيف فوتيلعن خشيته من أن يؤدي تدخل تركيا في منبج إلى عرقلة عمل التحالف ضد «داعش».

ويبدو من الواضح أن معركة الرقة مهمّة واستراتيجية باعتبارها المعقل الأخير لـ«داعش»، ولا سيما في ظل خسارة التنظيم المؤكدة لمعركة الموصل، آخر معاقله في العراق. ولذلك فإن كل طرف يرى أن مشاركته في معركة الرقّة ستمنحه دوراً في تشكيل مستقبل سوريا.

مثلّث

قال متين غورجان المحلل الأمني التركي والباحث في مركز اسطنبول للسياسات في جامعة سابانغي إن عملية درع الفرات انتهت من الناحية العملية قبل نحو شهر، عندما أصبحت منطقة نفوذ تركيا في سوريا - المثلث بين جرابلس والراعي والباب - محاطة بالمارينز الأميركيين من الشرق، والجنود الروس من الغرب، وقوات النظام السوري من الجنوب.