القمة العربية الثامنة والعشرون التي تحتضنها العاصمة الأردنية عمّان يوم الأربعاء، في منطقة البحر الميت، تعقد في ظل ظروف صعبة تمر بها المنطقة. لكن هذا لا يعني أن القمم السابقة عقدت في ظروف نرجسية، بل إن منحنى الصعوبة يزداد ارتفاعاً كل عام، والتحديات تزداد عناداً والملفات المطروحة للنقاش تزداد تشابكاً وسخونة، وكل ذلك في ظل خلافات عربية عربية حول كيفية التعاطي مع هذه الملفات المعقّدة.
يرى كثير من المراقبين أن ثقة الشارع العربي في مؤسسة القمة العربية تبخرت بعد أن توالى عقدها من دون أن تنجح في إحداث أي تغيّر نوعي في الأوضاع العربية، بل إن أوساطاً شعبية واسعة في العالم العربي لا تعلّق آمالاً على المؤتمرات والمحافل الدولية، وهي ترى الواقع العربي يتقهقر أمام طوفان التغيّرات الدولية القريبة والبعيدة، في حين ظلت الحالة العربية فريسة للتدخّلات الخارجية من كل نوع.
وإذا عدنا بالذاكرة إلى أول قمة عربية وهي تلك التي عقدت في مدينة أنشاص المصرية عام 1946، فإن الذاكرة ستنقلنا بعدها سنتين حيث كانت الهزيمة العربية الأولى في 1948.
ورغم أن عدداً من القمم التالية التي دعا إليها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في 1964، تمكنت من إحداث نقلة نوعية في العمل العربي المشترك من خلال تأسيس القيادة العربية المشتركة لمواجهة أجواء الحرب مع إسرائيل، ثم تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وإنهاء الصدام بين الفلسطينيين والجيش الأردني في العام 1970، إلا أن وهج القمم العربية والآمال المعلّقة عليها بدأت تخبو بالتدريج مع الانقسامات العربية وتفاقم التدخّل الخارجي.
تراكم القرارات
وبسبب تراكم القرارات غير المنفّذة، صارت القضايا «مزمنة» والمواقف العربية مكرّرة. لقد بات الوضع العربي مثقلاً بتحديات ثقيلة وغير مسبوقة إذ إن كيان الدولة في عدد من البلدان بات مهدداً بالإرهاب والحروب الأهلية. لا يستطيع المواطن أو المراقب العربي – والحالة هذه- أن يتوقّع خروج قمّة عمان عن هذا النسق، ولا يوجد ما يؤشّر على حدوث اختراق في جدار التوقّعات.
القمة المقبلة دورية عادية إلا أن توقيتها على قدر كبير من الأهمية. ورغم الآلام المستبدة بالجسد العربي، تبقى الآمال معلّقة من جانب مسؤولين عرب وبخاصة في الأردن أن تشكل القمّة فرصة لإعادة تعزيز العمل العربي المشترك وإيجاد مقاربات سياسية للقضايا الشائكة وحلها في إطار البيت الداخلي العربي بعيداً عن أي تدخلات خارجية.
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أعرب عن أمله بأن يكون هناك حضور غير مسبوق للقمة، وأن «يصدر عن القمة إعلان هام له تأثير ونظرة مستقبلية للأوضاع العربية». أبو الغيط لخّص، وهو يتحدث خلال مؤتمر مشترك مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي الوضع الذي تعقد في ظلاله القمةإذ قال إنها «تعقد في خضم المأساة التي يتعرض لها الكثير من الأوطان ومن الدول، وبالتالي سوف تحتاج للكثير من الجهد المبذول، وهي فرصة جيدة للقاءات ثنائية وثلاثية للم الشمل ولتسوية أي مفاهيم خاطئة هنا أو هناك».
قمة مختلفة
رئيس مجلس النواب المهندس عاطف الطراونة يسوق أسباباً يراها منطقية للخروج بقمة مختلفة، فالأردن الرسمي والشعبي يفتح ذراعيه لجميع الزعماء العرب ويمثل صوت العقل والاعتدال في مواقفه، ونظرته المتوازنة إزاء جميع المتغيرات والأحداث، إضافة إلى امتلاكه لخبرات سابقة في التعامل مع الملفات العربية. ويضيف الطراونة إن للملفات المطروحة على طاولة البحث امتدادات إقليمية ودولية، لذلك فإن «الملك عبد الله الثاني يعد شخصية عربية مقبولة إقليمياً ودولياً للحديث في هذه القضايا بعمق يعبر عن المصلحة العربية بموضوعية». مشيراً إلى أن العاهل يلقي بكل ثقله لإنجاح القمة عبر بلورة قاعدة انطلاق عربية والدفع بحلول للملفات العربية المتفجرة، وإعادة محورية القضية الفلسطينية على الأجندة القومية.
حضور قوي
وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي من جانبه بعث رسالة فحواها محاولة الطمأنة، إذ قال إنه يجري العمل بشكل مشترك مع جامعة الدول العربية لضمان قمة ناجحة في عمّان، وأن تكون منبراً لحوار عربي صريح حول كيفية التعامل مع أزمات المنطقة، إضافة إلى تعزيز التعاون والعمل العربي المشترك.
وسيناقش القادة العرب نحو 16 بنداً جميعها تعني بالقضايا العربية المشتركة، أهمها مكافحة الإرهاب، التدخلات الإيرانية، والأوضاع في سوريا والعراق واليمن والقضية الفلسطينية.
ومن المتوقع أن يحضر القمة أغلب قادة الدول العربية، فيما يغيب بعضهم لأسباب صحيّة، مع استمرار غياب الرئيس السوري بشار الأسد بسبب القرار العربي بتعليق عضوية سوريا في الجامعة، ولذلك سيكون مقعد سوريا شاغراً بسبب عدم الاتفاق العربي على إشغال ممثلي المعارضة هذا المقعد.
وفي وقت سابق، أكد الصفدي عدم دعوة النظام السوري إلى القمة، رداً على تقارير وإشاعات تحدّثت عن احتمال توجيه الدعوة للأسد، مع العلم أن وزير الخارجية العراقي دعا في الاجتماع التحضيري لمجلس الجامعة إلى إنهاء تعليق عضوية دمشق.
وكانت الجامعة العربية علقت عضوية سوريا فيها عام 2011، إثر اندلاع الأزمة، وقالت الجامعة حينها إن العضوية ستبقى معلقة لحين التزام دمشق بجميع تعهداتها الخاصة بخطة العمل العربية لحل الأزمة.
وتمت دعوة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لحضور مراسم افتتاح القمة.
التدخلات الإيرانية
ملف التدخّلات الإيرانية سيكون حاضراً بقوة في هذه القمّة أكثر من أي وقت مضى، وفي هذا الصدد قال أبو الغيط، إن القمة ستناقش تدخل طهران في شؤون بعض الدول العربية، حيث تعمل إيران عبر ميليشيات طائفية موالية لها على زعزعة استقرار دول عربية مثل سوريا والعراق ولبنان واليمن، وتساهم في إطالة أمد الحرب السورية، كما تحتل ثلاث جزر إماراتية منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ورفض أبو الغيط، التدخلات الإيرانية، وقال إن هناك مجموعة قرارات صادرة عن الجامعة العربية فيما يتعلق بتدخلات إيران في المنطقة العربية والجزر الإماراتية المحتلة، كما أشار إلى جملة القرارات العربية المتعلقة بالإرهاب تتناول الرؤية العربية فيما يتعلق بمكافحته.
أياً يكن الأمر، وأياً كانت الصعوبات والتحدّيات، لا يستطيع المواطن العربي أن ينزع عنه ثوب الأمل بأن ينجح القادة العرب في هذه القمة أو أن يضعوا أساساً لإحياء الدور العربي وإعادة إنتاج حالة عربية مؤثّرة وفاعلة، حالة قادرة على مواجهة كل ما يعترض حياة الأمة ومستقبلها وإنهاء التدخّلات الخارجية التي تنفذ من جدار الخلافات والانقسامات.
تأسيس
يشار إلى أنه منذ تأسيس الجامعة العربية في عام 1945، عقدَ القادة العرب 39 اجتماعَ قمة حتى عام 2016؛ توزعت بين 27 قمة عادية و9 قمم طارئة (غير عادية) و3 قمم اقتصادية، منها ثلاث قمم عُقدت في المملكة الأردنية الهاشمية، في (1980)، (1987)، و(2001). وعقدت آخر قمة عربية في موريتانيا يومي 25 و26 يوليو الماضي، بحضور سبعة من قادة الدول الـ22، وهم أميرا قطر والكويت، ورؤساء اليمن والسودان وجزر القمر وجيبوتي إلى جانب الرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز. وكان من المقرر أن تستضيف اليمن القمة الحالية، إلا أنها اعتذرت بسبب سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء، بالإضافة إلى الأوضاع الأمنية المضطربة. يذكر أن ميثاق جامعة الدول العربية ينص على تناوب أعضاء المجلس على الرئاسة حسب الترتيب الأبجدي للدول الأعضاء.
Ⅶدبي - البيان
القضية الفلسطينية ظلّت لعقود تحتل رأس جدول أعمال أية قمّة عربية، لكنّها بدأت في الأعوام الأخيرة تخلي مكانها لصالح ملفات عربية أخرى، وواصلت الهبوط في سلم الأولويات حتى باتت بعيدة عن رأس الهرم. ولعل قمّة بيروت في العام 2001 التي تمخضت عنها المبادرة العربية للسلام ما زالت ماثلة للأذهان حين قامت إسرائيل باجتياح الضفة الغربية بعد مرور بضع ساعات على اختتام أعمال القمة.
وتأتي القمّة العربية في عمان في ذروة تطوّرات دولية هامة ليست في مصلحة القضية الفلسطينية، إذ إنها تأتي بعد وصول دونالد ترامب لسدة الرئاسة الأميركية، وهو لا يزال يعلن أنه سينقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، كما نعى «حل الدولتين»، كما أنها تأتي في ظل انقسام فلسطيني داخلي بات مزمناً، ويعطي مبرراً للآخرين لكي يقل حماسهم تجاه هذه القضية التي طالما وصفت بأنها «قضية العرب الأولى».
مبادرة جديدة؟
على وقع التوقّعات بأن يكون نصيب القضية الفلسطينية من القمة تضمين البيان الختامي تأكيد على التمسّك بالمبادرة العربية، خرجت تقارير تتحدّث عن نيّة القيادة الفلسطينية طرح مشروع جديد للسلام مع إسرائيل على القمة.
لكن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني نفى هذا الأمر وقال: إنه «لا أساس له». وذكر أن ما صرح به الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط «لم تتم مناقشته معه من أي مسؤول فلسطيني». وأضاف «نؤكد عدم وجود أي تحرك فلسطيني لتعديل المبادرة العربية للسلام أو تقديم خطة جديدة، وهذا أمر لم يتم نقاشه من أي مسؤول فلسطيني على أي مستوى».
وأكد مجدلاني تمسك القيادة الفلسطينية بمبادرة السلام العربية على أساس حل الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967 وأنها ستدعو الدول العربية في القمة العربية المقبلة إلى التمسك بالمبادرة ورفض أي تعديل لها.
