الحديث عما «بعد داعش» في العراق، يكاد يكون محوراً أساسياً، في المناقشات والبرامج السياسية للكتل والأحزاب والشخصيات، ذات التأثير المتفاوت في الواقع العراقي، مع افتراض مسبق بأن يكون ذلك قبل بدء عمليات الموصل في 17 أكتوبر 2016، لكي تعرف كل جهة أين تضع خطاها، وإلى أي مدى، مع التأكيد على أهمية التعرف إلى أسباب ومسبّبي الانهيار السريع للقوات الأمنية العراقية في يونيو 2014، وهزيمتها أمام ثلّة لا تزيد على بضع مئات من عناصر تنظيم داعش، برغم كل التحذيرات التي سبقت ذلك.

ويسود التخبط الآن مخرجات «أزمة الموصل»، ومن يمسك الأرض، لاسيما بعد الفوضى والانتهاكات التي شهدتها المناطق «المحررة»، وعودة النزعة الطائفية من جانب الميليشيات وبعض القوات الأمنية، ما دعا إلى طرح أجندات مختلفة، وشيوع حالة من التوجّس من مآلات أخطرها التقسيم، وما ينطوي عليه من نزاعات داخلية وإقليمية ودولية.

القلق سيد الموقف

ويرى مراقبون سياسيون، أن الانتصارات التي حقّقتها القوات العراقية والدولية في الموصل، خلفت صراعاً سياسياً جعل صوت البندقية هو الحاكم على الأرض، ما جعل القلق سيد الموقف، خصوصاً وأن جميع القوى السياسية تستعد لمرحلة ما بعد «داعش»، عبر تحالفات جديدة، ومحاولة رسم ملامح واقع سياسي جديد، تبرز فيه دعوات من هنا أو هناك لإنشاء الأقاليم على أسس مذهبية، إلى جانب دعوات كردية إلى الاستقلال.

كما أن تعدد المكونات في الموصل عقّد المشهد أكثر، وجعله يدخل مرحلة التخوّف مما بعد تحرير المدينة، وأن الأمور ما بعد «داعش» لن تكون أقل خطورة من التنظيم نفسه، وربما يظهر تكوين آخر أخطر وأعقد من «داعش».

وبحسب المحلل السياسي محمد حسن الساعدي، فإن ما يعقّد البوصلة السياسية في البلاد هو بقاء المناطق التي دخلتها البيشمركة تحت سلطة إقليم كردستان، عقب دخول «داعش» إلى مناطق معيّنة في الموصل، وأن مصير تلك المناطق يثير تعقيدات كثيرة وكبيرة.

كما أن إشكالية «التمثيل السني»، والصراعات والأزمات التي رافقت المناطق السنّية، والتي جعلتها أرضاً خصبة لاحتلال «داعش» لها وسقوط ثلث البلاد، تطرح التساؤلات حول ما يكون عليه الوضع، في حال فشل المبادرات والمساعي للملمة الموقف السنّي تجاه القضايا المهمة والحساسة، وكيف ستكون المناطق السنية بعد داعش.

تراكم الخلافات

في المقابل، لا تملك الأطراف الحاكمة إجابات على هذه التساؤلات، مع الخلافات المذهبية حول الأقاليم، ومصير المؤسسة العسكرية، ومستقبل الحشد الشعبي، وقانون الحرس الوطني، وكل هذه الأسباب وأسباب أخرى جعلت المواقف تتذبذب بينهما، وتتقاطع في بعض النقاط وتقف حائلاً أمام أي حسم، كما أن الأطراف الإقليمية والدولية المتصارعة أصبحت ترى التخلص من داعش أولوية، لكنّها متناقضة إزاء المكاسب من هزيمة التنظيم، وتتلخص المسألة كلّها الآن في «وراثة ما يسيطر عليه حالياً».

وفيما يستعدّ سكان الموصل لتوديع حقبة داعش القاتمة بما حملته لهم من قتل وتشريد وجوع ومضايقات من قبل عناصر التنظيم، وبسبب الحصار المفروض على المدينة، يساورهم قلق شديد على مستقبل الاستقرار في مدينتهم، بعد أن لاحت مؤشرات سلبية على ممارسات طائفية ضدّهم من عناصر الميليشيات التي استُقدمت لتشارك في عملية مسك الأرض وحفظ الأمن في الأحياء المستعادة.

ومن بين هذه الممارسات اعتقال مواطنين أبرياء بدعوى تعاونهم مع «داعش»، واختطاف أفراد من عائلات ميسورة للحصول على فديات مالية، فضلاً عن عمليات سلب ونهب لمنازل ومحال تجارية، ما أفقد الكثيرين الثقة في المنظومة الأمنية، وفق متضرّرين وخبراء اعتبر بعضهم أن ما يجري يستهدف إحداث تغيير ديموغرافي في المدينة.

شعارات ميليشياوية

ويقول رئيس «منظمة العدالة الإنسانية الأهلية» عبدالقادر خليل، إنه «جرى تسجيل أكثر من حملة اعتقال لمواطنين أبرياء لا علاقة لهم بـ«داعش» نفذتها قوات ترتدي الزي العسكري الرسمي، وتستقل سيارات حكومية، وتنتمي إلى الميليشيات بحسب الشعارات التي ترفعها».

ويضيف أن «الكثير من المنازل السكنية والمحال التجارية والمنشآت الحيوية في الجانب الشرقي المحرّر من الموصل تعرضت إلى النهب والسلب، وأنّ الميليشيات بدأت تجوب الشوارع وتمارس أعمالها بحرّية تامة في وضح النهار من دون أي رادع».

ويشدّد رئيس المنظمة الحقوقية العراقية على أن «المواطن أصبح لا يفرق بين عناصر الميليشيات والقوات الأمنية، لكون الجميع يرتدي الزي العسكري، ويحمل السلاح الحديث، ويستقل المركبات الحكومية».

عودة إلى 2014

ويشير محمود علي الحداد، رئيس رابطة «حرية الموصل وكرامتها»، إلى أن «المدنيين في المدينة بدؤوا يخشون القوات الأمنية، (كما كان الوضع قبل أحداث يونيو 2014)، أي قبل انسحاب القوات الأمنية العراقية وسيطرة داعش على الموصل».

ويعزو مراقبون في العراق ظهور «داعش»، واكتساحه العديد من المحافظات العراقية إلى الخلافات السياسية، وتفرد أطراف مذهبية بالحكم في بغداد، وغياب الرؤية المشتركة لإدارة مؤسسات الدولة بما في ذلك المؤسسات الأمنية.

ويقول الحدّاد، إن «الاعتقالات العشوائية وعمليات الاختطاف والسلب والنهب والابتزاز ومطاردة الكفاءات، بعد أسابيع من اكتمال عمليات تحرير الجانب الشرقي من داعش، تثير الكثير من علامات الاستفهام لدى المواطن، وتدفعه إلى فقدان الثقة بالمنظومة الأمنية»، محذراً من أنه «في حال استمرار الأمور بهذا المسار، فإن الموصل عائدة إلى المربع الأول قبل أحداث يونيو 2014، عندما كان المواطن لا يثق بالأجهزة الأمنية، ولا يرغب في التعاون معها بسبب الفساد الذي كان مستشرياً في جميع المرافق الحكومية».

طلب قوات دولية

ويحذر المحلل السياسي العراقي، محمد الصواف، من أن «الأزمة الأمنية ستتسع في القريب العاجل في حال استمر الوضع على ما هو عليه لفترة أطول»، معتبراً أن «الحل الأمثل هو نشر قوات دولية لحماية المواطن والحفاظ على ممتلكاته الخاصة والعامة، لحين الانتهاء من تحرير مدينة الموصل بالكامل، ومن ثم الاستعانة بقوات نظامية لتحل محل القوات الدولية».

ويرى الأكاديمي العراقي الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية مؤيد طلال الكرطاني، أن حكومة بغداد ارتكبت خطأ فادحاً بتكليف حشود بلون مذهبي بمهمة السيطرة على الأرض، في ظل انشغال القوات المسلّحة الرئيسة منذ 19 فبراير الماضي بمعركة المناطق الغربية من الموصل.

ويشدد على أن «الوضع الأمني مقلق للغاية، وفي حال عجزت الجهات العسكرية والسياسية عن إيجاد الحلول الناجعة، فسيضيع النصر بين أرجل منفذي العمليات الطائفية والمروجين للأزمات والمستفيدين منها».

وبحسب الناشط المدني أيهم معتز، فإن «الحملة العشواء التي تتعرض لها الموصل مستمرة، وستبقى حتى بعد الانتهاء من حقبة داعش، وذلك بهدف إفراغ المدينة من طاقاتها البناءة».

 وتابع أن الكثير من الممارسات غير الأخلاقية باتت تستهدف الشريحة الراقية، وأن «الميليشيات تستكمل ما بدأه داعش تجاه كفاءات الموصل وسكانها بصورة عامة، وهذا الأمر لا يمكن أن يكون مصادفة».

مجاميع تتجدّد

تشير دراسات لمعهد الحرب والسلام الدولي (ISW) إلى أن مجاميع التمرد التي سبقت بروز تنظيم داعش لا تزال نشطة حتى بعد محاولة التنظيم كبح هذه المجاميع، وهي تحاول تعميم هدفها بإحياء حركة جديدة، ولكن من المبكر التقييم ما إذا كانت هذه المجاميع، ومنها «القاعدة» و«كتائب ثورة العشرين» و«رجال الطريقة النقشبندية» و«الجيش الإسلامي»، ستعمل تحت مظلة واحدة، إلا أن هدفها الأساس المعلن هو تقليص النفوذ الإيراني في كل من العراق والمنطقة.

واستناداً لمصدر أمني في كركوك، فإن هناك قياديين بعثيين يترأسون خلايا حول محافظة كركوك والحويجة التي كانت تعد معقلاً للبعثيين عقب سقوط نظام صدام حسين، يمكن أن يحتفظوا بقدرات شبكاتهم بعد إلحاق الهزيمة بـ«داعش».

ومن ناحية أخرى فإن «داعش» قد يبدأ بتعديل أسلوب شن هجماته في العراق عقب تحوّله من قوة مسيطرة إلى منظمة حرب عصابات، وهذا ما يصعّب مواجهته.