فجّرت الأزمة السورية كل الطموحات الدفينة لدى العرقيات في سوريا، وكل الطموحات الدينية المتطرفة لدى تيارات كانت تحت الأرض طوال ثلاثة عقود حكمها حزب البعث العربي الاشتراكي. ولم يعد بالإمكان السيطرة على هذه الطموحات التي حملت السلاح لتكسر الماضي على طريقتها الفكرية والعسكرية.

وكان طيف من الأكراد من هذه التيارات لم يعد قادراً على العودة إلى الوراء، ذلك أن صندوق الأحلام بات مفتوحاً للجميع. وبعد ست سنوات من الصراع في سوريا، تمركزت كل القوى المحلية في مواقعها، وكان حزب الاتحاد الديمقراطي الممثل المسلّح للطموحات الكردية.

حمل السلاح

حمل حزب الاتحاد الديمقراطي السلاح منذ البداية، من أجل استكمال المشروع السياسي القائم على حكم المناطق ذاتها بذاتها، والتأسيس لفيدرالية قادرة على إدارة شؤونها بعيداً عن المركز، وبالفعل جرى التأسيس.

لذلك فيما يسميه الأكراد المقاطعات الثلاث (عين العرب كوباني، الجزيرة، عفرين)، باعتبار أن اليد العسكرية الطولى في هذه المناطق تعود إلى حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية وحدات حماية الشعب الذي تحول جزء كبير منه إلى قوات سوريا الديمقراطية لاحقاً.

ثمة قواعد باتت راسخة في الثقافة الكردية، ولا يمكن المساومة حولها، من هذه القناعات أن العودة إلى ما قبل عام 2011 - قبل اندلاع الانتفاضة السورية - باتت مستحيلة، إذ إن سوريا من وجهة نظرهم لا بد أن تتغير.

والقناعة الأخرى أن حكم المركزية الذي كان سائداً طوال العقود الماضية في عهد الأسد الأب والابن لم يعد مرضياً لهم، لذا فإن هناك علاقة شكلية تنظمها اتفاقيات معينة، إلا أن الحكم الحقيقي والأساسي هو حكم الفيدرالية..

 قناعات كثيرة بنى الأكراد ذاتهم على أساسها، وآخرها أن سلطة العسكر المركزية ومفهوم الجيش المرتبط بالسلطة المركزية فكرة لا بد من انقراضها، ذلك أن كل معاناة الأكراد في السنوات الماضية من المؤسسة العسكرية التي كانت صارمة في التعامل مع الحركات السياسية، حين كان الأكراد جزءاً منها.

مظلة دولية

وقد تعززت هذه القناعات في الآونة الأخيرة لدى الكرد، بعد حصولهم على المظلة السياسية الدولية، من خلال اعتماد بعض الممثليات السياسية في الدول الأوروبية وحتى من قبل روسيا، وهو الأمر الذي جعلهم يتحركون تحت مظلة دولية قادرة على حمل وجهة نظرهم.

وبرغم كل ما سبق، فإن التفكير الكردية يبقى حيز التنفيذ، باعتباره ما زال في الإطار النظري، بينما يستمر الصراع في سوريا، ولم تنتهِ الصراعات الداخلية ولا الدولية، وحتى شكل سوريا النهائي لم تتفق الأطراف الدولية ولا الإقليمية عليه، ليبقى التفكير السياسي الكردي يتحرك على هامش انشغال الدول الكبرى بالمحصلة النهائية للصراع في سوريا وعليها.

وعلى هذا الأساس، فإن الكرد مضطرون، ما دام الصراع مستمراً، إلى تقديم أنفسهم على أنهم قوى لاعبة ومحركة في ديناميات الصراع، وبالتالي سيكون الثمن الكردي لهذا الطموح كبيراً، ذلك أن الدول لن تقدم لأي قوة محلية ما تصبو إليه من دون ضريبة.