منذ تسلّمه كرسي البيت الأبيض، بل قبل ذلك، خلال حملته الانتخابية، لم يتوقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إثارة الجدل وشد الانتباه إلى ما سيصبح عليه العالم في عهده.
يختلف المحللون أو يتفقون على هذه الجزئية أو تلك من أهدافه المعلنة، لكن ثمّة إجماع على أن عهداً جديداً قد فتح في السياسة الأميركية، وإن تناثرت الأسئلة هنا وهناك حول تأثّر ملفات بعينها بهذا الجديد، ومن ذلك وفي المقدّمة علاقات واشنطن مع موسكو وانعكاساتها على كثير من الملفات الدولية إن لم يكن جميعها.
وعلى رأس المحاور والأولويات التي يسيل لعاب المراقبين على رؤية مآلاتها، الحرب على الإرهاب، تلك المهمّة التي طالما تحدّث عنها ترامب بلهجة حاسمة، سواء في حملته الانتخابية أو بعد أن أصبح رئيساً، وبخاصة الحديث عن تحالف أميركي إسلامي لمحاربة الإرهاب.
ولعل الحديث الحماسي من جانب الإدارة الأميركية الجديدة حول الإرهاب وأول تجلياته طلب ترامب من دوائره العسكرية والأمنية إعداد خطة، قد دفع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لطرح مقترح سابق بالاستعداد للمشاركة بقوات خاصة.
وعند الحديث عن محاربة الإرهاب في سوريا، ليس بالإمكان تجاهل الدور الروسي هناك. وهنا ينبغي التذكير بما قاله الناطق باسم البيت الأبيض شون سبايسر من إن ترامب يحاول أن يتوصل إلى «صفقة» مع روسيا في مكافحة الإرهاب، وأن العمل مع موسكو في هذا الاتجاه سوف يستمر.
ترامب قال بوضوح إنه إذا تمكن من عقد صفقة مع روسيا، فسوف يفعل ذلك. سبايسر أضاف: «إذا كان هذا في مصلحة الولايات المتحدة، فإنه (ترامب) سوف يبرم الصفقة». واضاف أعتقد أن نجاحه كرجل أعمال وكمفاوض يجب أن ينظر إليه باعتباره مؤشرا إيجابيا، على أنه قادر على القيام بذلك.
موقف تركيا
وبالإضافة إلى روسيا، ثمة عوامل كثيرة ودول فاعلة قريبة من مسرح الحرب، مثل تركيا، وإذا كان من المبكر تلمّس تغيير في موقف أنقرة حيال أية خطط برية تتناقض مع تقاربها وتفاهماتها مع موسكو، فإن أنقرة التي لها حساسيات تجاه العنصر الكردي في الشمال السوري، تفضّل الانتظار للتعرف على حقيقة ما تريده الإدارة الأميركية الجديدة على نحو أكثر دقّة وتحديداً، سيما وأن موسكو، كما تفيد تقارير، بدأت توجيه رسائل لأنقرة بشأن احتمال دخول واشنطن بشكل أقوى في الملف السوري.
كما أن إيران تخشى من تأييد تركيا لخطط برية تقودها أميركا من شأنها توسيع النفوذ التركي في سوريا. وذهب بعض التقارير للحديث عن ضغط إيراني للدخول في مواجهة مباشرة مع تركيا لإبعادها عن سيناريوهات تضر بنفوذ طهران في الملف السوري.
أول خطاب لترامب
رؤية ترامب للسياسة الخارجية في سنته الأولى بالسلطة تضمنها خطابه الأول أمام الكونغرس مطلع الشهر الحالي، وفيه تأكيدات واضحة على نيته محاربة تنظيم داعش مع الحلفاء في العالم الإسلامي وتشديد العقوبات على إيران. ترامب قال بلهجة حاسمة «كما وعدتكم فإنني طلبت من وزارة الدفاع وضع خطة لتدمير داعش، وهي شبكة من الوحوش الخارجين عن القانون الذين يذبحون المسلمين والمسيحيين. الرجال والنساء والأطفال من كل الأديان والمعتقدات».
ترامب هاجم كذلك إيران مذكّراً بـ«فرض عقوبات جديدة على الكيانات والأفراد الذين يدعمون برنامج إيران للصواريخ الباليستية»، وشدد على التحالف القوي مع إسرائيل، وعلى انتهاج«سياسة خارجية قائمة على الانخراط المباشر والقوي والجاد مع دول العالم كافة»، وهي سياسة تجنّبتها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.
وبعد فترة من الحبال المشدودة، رأى عدد من السياسيين الأميركيين أن ترامب تمكن من إضفاء طابع جديد على شخصيته السياسية من خلال خطابه الاول في الكونغرس، حيث اعتبر رئيس الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، إن ترامب «تحول بالفعل إلى رئيس»، بينما قالت النائبة الديمقراطية، هايدي هيتكامب، إن الخطاب كان «جيداً جداً»، منبّهة مع ذلك إلى أن العبرة ستكون «في التنفيذ».
بعض التوجّس
عبارة هيتكامب الأخيرة تنم عن بعض التوجّس شاركها فيها سياسيون آخرون، ومن ذلك أن دراسة أميركية أعدها عشرة من كبار المسؤولين السابقين والباحثين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حذّرت ترامب من التحالف مع الرئيس السوري بشار الأسد وروسيا تحت عنوان الحرب ضد تنظيم «داعش».
وجاء في الدراسة أن تحالفاً من هذا النوع سيأتي على حساب تكلفة عالية في أرواح المدنيين السوريين، ولن يساهم في حل الأزمة السورية. كما ان من شأن عقد تحالف أميركي مع الأسد وروسيا لمحاربة داعش «تقوية نفوذ إيران في سوريا، في وقت تحتّم مصالح الولايات المتحدة الأخرى في المنطقة احتواء الطموح الإيراني (بالتمدد) داخل مناطق العرب السنة».
الدراسة التي رعاها مركز أبحاث «بروكنغز»، طرحت خلال ندوة تكلّم فيها أربعة من المشاركين في الإعداد، هم مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأسبق جورج بوش الابن ستيفن هادلي، ووكيلة وزير الدفاع السابقة ميشال فلورنوي، وسفير أميركا السابق في إسرائيل مارتن انديك، والباحثة كريستين سيلفربرغ.
6 حلول
الدراسة قدمت ستة حلول، وتصدرتها الحرب على «إرهابيي داعش والقاعدة»، ضرورة احتواء أميركا «لأطماع إيران بالهيمنة، ووقف تذكيتها الحرب الطائفية في المنطقة، و(مواجهة) طموحاتها لحيازة أسلحة نووية». في المرتبة الثالثة حسب الدراسة، يأتي تأكيد أمن إسرائيل وحلفاء واشنطن.
ويأتي في المرتبة الرابعة «منع تمدد الفوضى من الشرق الأوسط الى أوروبا وإفريقيا عبر اللاجئين والكوادر الإرهابية». وفي المرتبة الخامسة ضرورة استمرار تدفق النفط الى أوروبا وآسيا، بما في ذلك الصين والهند، وتأتي في المرتبة السادسة للأولويات مساندة أميركا للإصلاحات في دول المنطقة.
ميزانية تاريخية
على الرغم من التحذيرات المتعددة التي انطلقت عقب تولي ترامب الرئاسة من تأثير سياساته على تفكك الجيش وإضعافه، إلا أن ما قاله ترامب بهذا يشير إلى عكس المخاوف، حيث وعد بزيادة «تاريخية» في ميزانية الجيش الأميركي، خلال لقائه حكام الولايات في البيت الأبيض الذي أفاد بأن المبلغ المقترح هو 54 مليار دولار. وقال ترامب «هذه الميزانية تأتي ضمن وعدي بالحفاظ على أمن الأميركيين»، مؤكداً أنها «ستتضمن زيادة تاريخية في الإنفاق الدفاعي».
وفي بداية فبراير الماضي، تحدث قادة عسكريون أميركيون أمام الكونغرس عن جيش أضعف بفعل سنوات من الميزانية غير الكافية وأكثر من عقدين من النزاعات. وأشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن ترامب سيكلف الوكالات الحكومية، بوضع الخطوط العريضة لميزانية من شأنها أن تشمل تخفيضات كبيرة في الإنفاق المحلي.

