منذ اللحظة الأولى في الأزمة السورية، اعتمد النظام الإيراني ذات الاستراتيجية، التي اتبعها في العراق إبان سقوط نظام صدام حسين، وهي استراتيجية نشر المليشيات الطائفية.
ومع بداية الأزمة السورية أوعزت إيران لأذرعها في المنطقة بالذهاب إلى هناك بدوافع طائفية بحتة، أدى إلى تأجيج الطائفية في المنطقة وانتشار الكراهية المذهبية، وانفلات كل القوى المتطرفة في المنطقة، في إطار تصفية الحسابات المذهبية على الأرض السورية.
اتسعت دائرة الأزمة السورية، وفقدت الأطراف المتصارعة على الأرض السيطرة، ليتطور الصراع إلى مستوى أعلى، ما جعل إيران تدفع بالمزيد من مقاتلي الحرس الثوري الإيراني، لمساندة قوات النظام، التي بدت مفككة أمام المعارضة السورية.
ولعل العام 2013 أكثر الأعوام المكلفة على النظام الإيراني- بحسب ما يرى مراقبون سوريون- ذلك أن النظام السوري فقد السيطرة على مناطق واسعة في الشمال والجنوب والشرق.
وأمام انحسار سيطرة النظام رفعت إيران مستوى الدعم المادي والبشري، فاتجهت بعد استنزاف المليشيات العراقية واللبنانية إلى باكستان وأفغانستان، وقد وثقت المعارضة اعترافات مليشيات شيعية من الهزارة في أفغانستان، وكذلك مقاتلين باكستانيين من مدينة كويتا عاصمة إقليم بلوشستان، الذين يتحدثون الفارسية.
تأثير
ومن خلال رصد «البيان» لانتشار هذه المليشيات المدعومة من إيران، لوحظ أن العام 2013 كان العام الذهبي لهذه المليشيات، وهذا يشير إلى حجم التأثير الإيراني على موازين القوى حتى هذه اللحظة.
واعتبر العميد إبراهيم الجباوي في تصريح لـ«البيان» أن التدخل الإيراني في سوريا عن طريق المليشيات أخذ الصراع إلى أبعاد طائفية محضة، وأجج المذهبية في سوريا، الأمر الذي سمح بنشوء تشكيلات مضادة تحمل ذات الطابع الطائفي الإيراني.
وأضاف أن هذه المليشيات، تعمدت القسوة والقتل والتعذيب بحق السوريين لأسباب مذهبية، مشيراً إلى أن النظام كان الرابح الأكبر من المستنقع الطائفي، إذ أطال هذا الصراع بعمر النظام، وحرف الثورة السورية إلى مسارات أخرى.
لم تخف إيران الأهداف التخريبية والطائفية في الحرب السورية، ففي أغسطس الماضي العام 2016 قال محمد علي فلكي القيادي في الحرس الثوري الإيراني، إن بلاده تعمل على تأسيس وتدريب مليشيات في كل من العراق وسوريا واليمن، تأتمر بأمر الحرس الثوري الإيراني، وبالتالي بأمر ولاية الولي الفقيه. لقد كان هذا التصريح إعلان واضح بالحرب الطائفية على الدول العربية، وسوريا هي المرتع الأول لهذه الحرب.
عداء
الحقيقة التي تغيب عن أذهان الكثير من شعوب المنطقة، أن إيران لم تعد تخف عدائها للشعوب العربية سنية كانت أم شيعية، فقد اعتبر الجنرال الإيراني فلكي أنه ليس من الحكمة زج القوات الإيرانية بشكل مباشر بالحرب في سوريا، «بل يجب أن يقتصر دور عناصرنا على تدريب وتأهيل وتجهيز السوريين للقتال في مناطقهم»، على حد تعبيره.
هذا الوضوح في الازدراء للدم العربي لم يكن معلن من قبل رغم أنها كانت استراتيجية، إلا أن رغبة إيران في الكشف التام عن المشروع الدموي في المنطقة جعلها تكون أكثر وحشية وعلنية من قبل، خصوصاً بعد أن بدأت في الآونة الأخيرة الاعتراف بأعداد قتلاها، الذين تجاوزا 1200 قتيل بحسب مسؤولين إيرانيين.
ويقول قائد الفرقة 23 حسن الرجوب إن المليشيات الإيرانية، أصبحت في الآونة الأخيرة هي الآمر الناهي على جبهات القتال، وتتحكم بالوحدات العسكرية التابعة للنظام، لافتاً إلى أن المعارك التي كان يخوضها الجيش الحر في ريف حلب الشمالي كانت مع المليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية.
دوافع
وقال الرجوب في تصريح لـ«البيان»، إنه لم يعد هناك جيش يسمى جيش النظام، بل هناك مليشيات تقاتل بدوافع مذهبية، وتحمل بذور التطرف، مؤكداً أن الصراع المذهبي في سوريا حول الثورة إلى قتال متطرفين، بينما الحقيقة غير ذلك.
والواقع، أنه من الناحية العملية أدركت إيران والنظام السوري أيضاً جدوى هذه المليشيات بالقتال، حيث إنها تقاتل بأيديولوجيا صلبة ترتكز على الشحن والحشد الطائفي، وبالتالي هي قوة غير مرتبطة بهدف سياسي، وإنما قتال من أجل القتال.
عقدة
يرى قائد الجبهة الشرقية محمد عبود أن التوغل الإيراني في سوريا أحد أكبر عقد الحل في المستقبل، مشيراً إلى أن نشر هذه المليشيات كان أمراً مدروساً لتعقيد الصراع على الأرض، وجعل موازين القوة تميل للنظام في أية مرحلة من مراحل الحل.
