التقدم في عملية التسوية للأزمة في سوريا يقابله تزايد الاهتمام الدولي لإحداث خرق في الملف الليبي، يخرج البلد من النفق المسدود، الذي دخلت فيه بعد إطاحة نظام العقيد معمر القذافي، في الوقت الذي لم تتمكن القوى الجديدة من إقامة سلطة مركزية قوية.
ولمن يريد أن يرصد أولى إشارات التفاهم بين الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين فعليه أن يوجه الأنظار إلى ليبيا، فساحة المواجهة المباشرة بين روسيا والاتحاد الأوروبي يمكن بشكل مفاجئ أن تشمل ترامب، الذي لا يستبعد -بحسب الكثير من المراقبين الروس والغربيين- في أن ينحاز إلى بوتين.
في هذا الإطار يبرز دور قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، الذي ثبّت بوصلته نحو موسكو، ويقــوم باتصــالات دائمة مع المسؤولين الروس، في حين لم تنــجح الضغــوط التي مورست عليه، للتفاهم مع رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، كما حــصل مؤخراً في القاهرة.
بالنسبة لأوروبا -التي كان اهتمامها منصباً على ملف الهجرة غير الشرعية من ليبيا وعبرها- فقد أصبحت تتابع بقلق تقارب الزيارات المتواصلة لحفتر إلى موسكو، ما يفسر هواجسها بأن يفضي هذا التقارب إلى نشر سفن حربية روسية على الموانئ الليبية، التي يفصلها عن القارة العجوز 700 كيلومتراً فقط.
اهتمام
وفي روسيا نفسها، بدأت وسائل الإعلام الروسية وبشكل لافت في تغطية الملف الليبي بشكل واسع. ولا تكاد تخلو الصحف والمجلات البارزة ودوريات الدراسات السياسية من استمزاج آراء الخبراء والدبوماسيين، التي تجمع في أغلبها على أن ليبيا ستصبح الجهة الجيوسياسية الجديدة للكرملين بعد سوريا.
الخبير في شؤون الشرق الأوسط من معهد الاستشراق أندريه تشوبريغين يرى أن روسيا ستتحول إن لم تكن تحولت بالفعل إلى اللاعب رقم واحد في شمال أفريقيا، بل إن كثيراً من القوى داخل ليبيا باتت تتعامل مع موسكو باعتبارها عراب الحل المقبل هناك.
استماع
ويعيد تشوبريغين إلى الأذهان أن روسيا عملت طوال فترة الأزمة في ليبيا على الاستماع لكل أطراف الصراع، وصاغت استنتاجاتها بخصوص من تؤيد، وكيف يكون شكل الدعم وآلية التحرك، دون أن تتورط في حسم التأييد سواء لحفتر أو السراج، وإنما من خلال التواصل مع كل القوى القادرة على توحيد البلاد بشكل غير دموي.
اما الخبير العسكري إيفان كونوفالوف فيرى أن فايز السراج لا يدخل ضمن قائمة القوى العلمانية، التي ترى فيها موسكو حليفة محتملة، لأنه موجود في السلطة بفضل دعم مجموعات إسلامية متطرفة وبمؤازرة من خصوم موسكو في الغرب.
أما حفتر -الذي يسيطر على شرق ليبيا، وعلى أهم موانئ النفط هناك، وينافس السراج- فهو الأنسب للــقيام بهذا الدور، لكن روسيا برأي كونوفالوف مقيدة بقرار الأمم المتحدة حظر توريد الأسلحة لأية جهة، لذا لن تقدم مساعدات عسكرية مباشرة، ورسمية إلى حفتر، رغم تأكيدات غربية بأنها ستقوم بذلك عبر دول أخرى، ترتبط معها بعلاقات عسكرية وتجارية قديمة.
وأمام التخبط الأوروبي وتراجع اهتمام الولايات المتحدة بالملف الليبي بعد استهداف قنصليتها في بنغازي في العام 2012، هل سيدفع انفتاح خليفة حفتر مع روسيا العالم باتجاه حل الأزمة في ليبيا؟