بدأ الرئيس اللبناني العماد ميشال عون يشعر بخطورة المرحلة التي رسمها بمواقف عالية اللهجة، ولتحقيق خرق في الجدار السميك طرح فكرة الاستفتاء الشعبي، والجميع استيقظ من سباته العميق لدى السماع بعبارة «استفتاء»، لأنها جديدة على مسامعهم ولا تحصل إلا في الدول المتطورة والتي تمارس الديمقراطية الحقيقية.
فيما أن عدم وجود أيّ نصّ دستوري يُجيز إجراء مثل هذا الاستفتاء لا يبيح إجراءه خارج إطار الدستور والقانون، وإن كان الشعب هو مصدر كل السلطات، وأن أيّ استفتاء لا يمكن أن يُجرى إلّا على أسس وأحكام قانونيّة.
ووسط الخشية من أن تكون أطر معالجة هذه الأزمة خرجت واقعياً عن سكّة المهل التي يلحظها القانون النافذ، بما يعني فتح الأزمة على خيارات واتجاهات شديدة الخطورة سياسياً ودستورياً، تجدر الإشارة إلى أن العدّ العكسي للاشتباك المتصل بهذه الأزمة بدأ، وقد يبلغ ذروته مع الدخول في المهل القانونية لدعوة الهيئات الناخبة التي تنتهي في 21 من الجاري، بعدما تبلورت الصورة على الشكل الآتي: قانون الستّين «دفِن»، «المختلط» سقط، و«النسبي» دونه تحفظات، و«الأرثوذكسي» معرقل.
«منازلة» بين فراغين
وفي ظلّ هذيان يقارب الهستيريا السياسية، التي باتت في منازلة بين الفراغ والفراغ، بين انتهاء ولاية المجلس النيابي الحالي في يونيو المقبل من دون انتخابات أو اللجوء إلى التمديد الأسوأ من الفراغ، فإنّ ثمّة مواقف ملتزمة واعتبارات ملزمة تجعل من العودة إلى الوراء في موضوع قانون الانتخاب أمراً بالغ الصعوبة.
فهناك إجماع على إجراء الانتخابات ورفض التمديد. وهناك اقتناع، حتى بين الذين يؤيّدونه ضمناً، بأن لا عودة إلى «قانون الستّين»، لأنه غادر ولن يعود. وهناك أقلّ من إجماع وأكثر من اتفاق على استبعاد إقرار أيّ قانون على أساس الأكثري.
وهناك التقاء مع البعض، عن قرار وخيار واقتناع، ومع البعض الآخر على قاعدة «مُكره أخاك لا بطل»، على ضرورة اعتماد النسبية وإدراجها في متن وصلب وأساس أيّ قانون، سواء أكان مختلطاً أم يعتمد التأهيل.. أما الثابت والأكيد، أن الرئيس عون لن يسجّل على نفسه القبول بـ«الستّين»، ولن يوقّع مرسوم تشكيل هيئة الإشراف على الانتخابات قبل انتهاء مهلة 21 من الجاري، ولن يوقّع قانون تمديد ولاية المجلس النيابي الحالي.
سابقة.. وتعقيدات
وفي ظلّ تمسّكه بحقّه في عدم التوقيع على مرسوم دعوة الهيئة الناخبة، كان عون أعلن تصميمه على المواجهة، ودعا إلى اعتماد المعيار الواحد في أيّ قانون انتخابي، ملوّحاً بأنه سيطرح الاستفتاء «إذا ما أقفلت الأفق.
ذلك أن لا مانع في الدستور أو القانون منه، وليس من مانع لأيّ حلّ يقرره ويعتمده الشعب الذي هو مصدر السلطات». علماً أن طرح رئيس الجمهورية غير مألوف محلياً، حيث لم يجرِ في تاريخ لبنان أيّ استفتاء. حتى في مرحلة تغيير الدستور بعد اتفاق الطائف، لم يؤخذ برأي الشعب، إضافة إلى أنه لا توجد آلية دستورية لتنظيم الاستفتاء.
وهكذا، بدا واضحاً أنّ تلويح رئيس الجمهورية باللجوء إلى طرح الاستفتاء الشعبي المباشر لم يؤدِّ إلا إلى زيادة التعقيدات المتراكمة في الأزمة، وكذلك إلى تزايد الغموض والقلق حيال المواجهة السياسية التي تستعيد البلاد أجواءها تدريجياً.
إذ أن موضوع الاستفتاء بدا بمثابة الوجه الثاني للتلويح سابقاً بتفضيل الفراغ على التمديد لمجلس النواب أو «قانون الستّين»، وكلاهما يثير لغطاً دستورياً واسعاً لجهة أحقيّة رئيس الجمهورية بالذات في طرحهما. فهل يمضي قدماً تلويح رئيس الجمهورية باستفتاء الشعب، أم دونه عقبات سياسية وتقنية تستوجب إجراءات دستورية؟
27
بالاستناد إلى تأكيد مراجع قانونيّة لـ«البيان»، لا يجوز إجراء استفتاء ملزم في لبنان، وفقاً للواقع الدستوري الحالي، إذ يتبنّى الدستور اللبناني النظام البرلماني التقليدي، ويتجلّى هذا الأمر بشكل بارز في المادة «27» منه التي تنصّ على أن «عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء، ولا يجوز أن تُربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه»، في حين لا يحقّ لمجلس النواب إقرار قانون يسمح بإجراء استفتاء تشريعي ملزم، لأن ذلك يؤدّي إلى تنازل هذا الأخير عن صلاحياته (وهذا ما لا وجود له في الدستور)، إنما يحقّ له إجراء استفتاء استشاري غير ملزم قانوناً بنتائجه.
