حقيبة المراسلين

لاجئون منسيون.. عذابات تضاعفها خيام لا تقوى على الصقيع

اللاجئون يعانون الأمرّين لاتقاء البرد وموجات الصقيع | رويترز

«وطن في العاصفة».. عنوان يصف على وجه الدقّة أحوال الطقس في لبنان، بعد أن غرق بغزير المطر وكثيف الثلوج.. رحلت العاصفة «بيرلا»، وما تركت دوّن مأساة فتحت نوافذ على مآسي النزوح السوري في لبنان، ففي خضمّ الطقس العاصف والتوقعات باستمرار العواصف، يواجه آلاف النازحين السوريين أوضاعاً قاسية جراء النقص الحاد في أبسط مقوّمات الصمود أمام ضغوط المناخ.

ماتت الرضيعة سلام بعد أن عجزت خيمة خشبيّة عن حمايتها من شجرة اقتلعتها «بيرلا»، أمّا محمد فأمضى ساعات الصباح الأولى في محــاولة إزالة الثلوج التي تراكمت فوق خيمته البالية المرفوعة على أخشاب مهترئة، والتي كادت أن تنهار فوق رؤوس أفراد عائلــــته المؤلّفة من 8 أشخاص.

ساعاتٌ أمضاها بين كرّ وفرّ مع العاصفة، تارةً يخرج لرفع الثلوج وتكسير طبقات الجليد، وأخرى يختبئ من هول البرد والثلوج. وفي المحصلة، الخشب المهترئ لا يرفع خيمة، والنايلون ليس غطاءً يمنع تسرّب المياه الى داخل الخيمة.

في مخيم سهل مرجعيون، يلجأ نازحون إلى الإطارات المطاطيّة، لحماية خيمهم من الثلوج والتخفيف من حدّة البرد خلال العواصف. وبالرغم من المأساة التي تختصرها هذه القصّة، إلّا أن أحدهم يعتبرها اختراعاً لا يبرّره فقط بل ويسعى مع شبان آخرين، إلى تعميم التجربة في تجمّعات النازحين ومخيماتهم في لبنان.

وتكرّ سبحة المشاهد، لتروي التجمعات والمخيمات العشوائيّة للنازحين السوريّين في لبنان حكاية بشر يعيشون في العراء، وتتكرّر معاناتهم مع كل منخفض جوّي، نتيجة النقص الحادّ في أبسط مقومّات الصمود أمام المناخ، فهم محاصرون داخل ما تبقّى من خيم اهترأت أغطيتها من النايلون، مع أخشاب باتت آيلة للسقوط بعد أن نخرتها المياه.. أكثر من فقر وأصعب من حرمان في بقع يصحّ وصفها بأنها خارج حدود الحياة.. أما هم، فيتدثّرون بالبرد، وعزاؤهم:«ما زلنا أحياء نُرزق».

لا أفق حلول

هم نازحون يدركون بألّا أفق حلول قريبة، وأن تمويل الوكالات والمنظّمات تقزَّم إلى النصف، وكل وقودهم انتظار وأمل بالعودة قبل أن تصدأ مفاتيح البيوت وتهرم الوجوه والنفوس، وهو أمل يشبه تلك الرسومات التي تعرضها شوادر الخيم المتروكة للريح. وفي الخيم الجاثمة على أكوام من الصقيع وضيق الحال والأحلام المؤجّلة، يحفر النازحون ثلاثة احتمالات في الأرض الموحلة: «هجرة ملغومة بالغرق»، أو العودة الى ما تبقّى من حطام أمكنة في مكان ما على الأرض السورية، أو الصمود في الخيم التي لا يعرف متى تطبق على أنفاسهم كلما هبّت عاصفة.

مآسٍ

.. هكذا وفي عزّ البرد والصقيع، ومع كل عاصفة ثلجية، تزداد مآسيهم ويجهدون عند هدوء العاصفة في لملمة جراح ما أصاب مساكنهم الضعيفة كما حالهم، ومنهم من يتوجّه إلى السهول والبساتين علّه يغنم بعض من الأخشاب المتكسّرة والأغصان التي تساقطت من جراء الثلوج والرياح، ويعمل على جرّها إلى خيمته، حتى ولو طالت المسافة أكثر من ثلاثة كيلومترات، فالحاجة تفرض نفسها كما تقول «أم سعيد»، مضيفة:«ليس باليد حيلة سوى الصبر، وانتظار الفرج في بلدنا، علّها تكون آخر شتوة في نزوحنا».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات