بعد أخذ ورد ومسار قضائي مفتعل، تحرّكت شرطة الاحتلال الإسرائيلي صوب موقع استيطاني يقع شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية المحتلة لإجلاء عشرات المستوطنين من الموقع الذي تطلق عليه إسرائيل، كما عشرات المواقع المشابهة، «بؤرة عشوائية»، وتصفها بأنها غير شرعية. وقد جاء التحرّك الإسرائيلي لإخلاء مستوطنة عموناه بعد قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية التي قالت إن المستوطنين يقيمون بشكل «غير مشروع» في أرض «خاصة مملوكة» لفلسطينيين، وفي ثنايا هذا التوصيف موقف يعتبر أن هناك إقامة «مشروعة» لمستوطنين آخرين، وأن هناك أراضي «غير خاصة وغير مملوكة» للفلسطينيين.
وللإضاءة على هذا التضليل الممنهج والمتعمّد للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، تنبغي بادئ ذي بدء العودة إلى المواقف التقليدية لآباء المشروع الصهيوني إزاء مسألة الاستيطان، إذ إن المشروع الاستيطاني أول ما يتطلبه هو الأرض التي يقام عليها، ونتذكر أن بن غوريون قال ذات يوم «الأرض واحدة ومالك الأرض اثنان، ولا بد أن تكون لواحد منهما فقط». إذن إن توطين اليهود يستدعي طرد الفلسطينيين من أرضهم.
اختراع
اختراع مصطلح بؤرة استيطانية في التسعينيات كان الهدف منه إيجاد قضية هامشية جديدة ينشغل بها الفلسطينيون والعالم بعيداً عن قضية الاستيطان، فتصبح إزالة البؤرة الاستيطانية مطلباً ولا يتحدّث أحد عن المستوطنات الكبرى أو عن الاستيطان.
تخريجة رابين
مطلع التسعينيات، ساد نوع من اللغط في العلاقة بين الولايات المتحدة وحكومة إسحاق شامير، وحينها جمدت واشنطن ما تسمى ضمانات القروض لإسرائيل وقيمتها 10 مليارات دولار، مطالبة إسرائيل بتجميد الاستيطان، حيث كانت واشنطن ترعى عملية تسوية انطلقت في مدريد عام 1991. وابتكر إسحاق رابين بعده مصطلح مستوطنات غير شرعية تخضع للنقاش والتفاوض مقابل «مستوطنات شرعية» لا يجوز التطرق لها، وتبلور الموضوع على لسان الإسرائيليين في المسار التفاوضي اللاحق تحت مسمى «الكتل الاستيطانية» الكبرى التي يريد الإسرائيليون أن تبقى في مكانها في قلب وجسد الفلسطينيين في شكله النهائي في حال إنجاز الحل النهائي.