أول نقاش حول المنطقة الآمنة في سوريا دار بين السفير الأميركي لدى سوريا روبرت فورد في العام 2012، وقوى المعارضة السورية. حينها وبحسب معلومات حصلت عليها «البيان» من شخصيات حضرت النقاش مع السفير الأميركي، قال فورد: لن نقيم منطقة آمنة في سوريا؛ لأن ذلك قد يكلفنا سقوط طائرات وطيارين وسيسألنا الشعب الأميركي لماذا يُقتل طيارونا في سوريا.

بعد هذا النقاش، طويت صفحة المنطقة الآمنة، حتى العام 2015 حين بلغت المجازر بحق المدنيين حداً لا يُطاق على المستوى الإنساني، وقدّمت تركيا مشروعاً متكاملاً للمنطقة الآمنة، لتخفيف تدفق السوريين إليها، وإعادة ما تبقى من اللاجئين في المخيمات إلى الداخل السوري.

وقد ساعدت اتفاقية بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي على السعي لإنشاء المنطقة الآمنة، على أن تتحمل دول الاتحاد تكاليف إقامة هذه المنطقة، لكن هذا المشروع اصطدم برفض روسيا التي وسّعت عملياتها العسكرية في سوريا، وطال قصفها مناطق الشمال وخصوصاً المناطق التي تعتزم تركيا والاتحاد الأوروبي إقامة المناطق الآمنة عليها. كما أن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما لم تكن متحمّسة للمناطق الآمنة كونها قد تقود إلى الاشتباك جواً مع الطيران الروسي.

خطة راند

في يوليو 2016 أوصت مؤسسة راند الأميركية في دراسة بعنوان «الحل في سوريا»، الإدارة الأميركية القادمة بضرورة إنشاء منطقة آمنة، وهذا الأمر يحرم النظام وروسيا من الضغط على المجتمع الدولي بخصوص تزايد أعداد المهاجرين وتفاقم الوضع الإنساني.

واعتبرت مؤسسة راند أن المناطق الآمنة أحد أبرز الأهداف التي يجب أن تركز عليها الإدارة الأميركية. ويبدو أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أخذت بعين الاعتبار خطة الحل في سوريا وشرعت بالنقطة الأولى وهي إقامة المناطق الآمنة، وقد تزامن هذا مع قرار الرئيس ترامب بمنع قدوم اللاجئين السوريين إلى الولايات المتحدة الأميركية. ولعل هذا القرار ليس صدفة.

عودة اللاجئين

من جهته، قال العقيد الطيار حسن لطفي الرجوب القائد العام للفرقة 23 لـ«البيان»: إن المنطقة الآمنة في سوريا كانت مطلباً شعبياً قبل أن تكون مطلباً عسكرياً، فالمدنيون منذ سني الثورة الأولى خرجوا بالمظاهرات تحت شعار (المنطقة العازلة مطلبنا).

وأضاف الرجوب: إن المطالب الأساسية للجيش الحر تمثّلت منذ البداية بحماية المدنيين، وإن حصلت المنطقة الآمنة فستكون خطوة مهمة جداً في توفير مكان آمن يمكن للمدنيين الاحتماء فيه، وسينعكس ذلك داخلياً على تخفيف العنف وتخفيف أعداد القتلى، إضافة إلى حماية المنشآت الخدمية الضرورية مثل المستشفيات ومراكز الدفاع المدني.

فات الأوان

المتحدث باسم الجبهة الجنوبية عصام الريس يقول لـ«البيان»، إن الأمر بات صعب التحقيق في ظل التوسّع العسكري الروسي، خصوصاً وأن اللاجئين السوريين الذين أغرقوا أوروبا لم تعد تعنيهم المنطقة الآمنة. كما أن إجراء المنطقة الآمنة يحتاج إلى تكاليف عسكرية عالية الثمن وهذا غير وارد في السياسة الأميركية الحالية.

أما رئيس المجلس الوطني السابق عبدالباسط سيدا فقال لـ «البيان»: إن المشروع الأميركي بخصوص هذا الموضوع يتحدث عن مناطق آمنة عدة وليس واحدة. وتأتي فكرة المنطقة الآمنة في ظل وجود قوات تركية غربي الفرات فرضت ما يشبه المنطقة الآمنة هناك. وكذلك بعد أن عزّز الروس وجودهم في القسم الغربي من سوريا، وأيضاً انتشار أميركي متنام في منطقة شرقي الفرات وصولاً إلى الحدود العراقية.

تفاهمات دولية

هذه المعطيات تقودنا إلى استنتاج فحواه: ربما كان المقصود من الفكرة المعنية تثبيت مناطق النفوذ إلى إشعار آخر؛ في انتظار المزيد من التفاهمات الإقليمية أو الدولية حول شكل ومستقبل النظام القادم في سوريا، خصوصاً في ظل التحرك الروسي المكثف على مختلف المستويات لتحسين وضع موسكو في حال التوجه إلى صفقة ما مع الجانب الأميركي.

ومن الناحية العسكرية، فإن إقامة المنطقة الآمنة درجة عالية من درجات الحماية العسكرية الأميركية، فيما يذهب مسؤولون أميركيون سابقون وخبراء بالقول إلى أن تأمين البر وحده سيتطلب آلاف الجنود.

اختباروفي كل الأحوال، فإن المنطقة الآمنة في سوريا تعد أقوى اختبار لسياسة ترامب في سوريا، كونها أول احتكاك بالنفوذ الروسي والإيراني في سوريا. وهي تختبر في ذات الوقت حدود التعامل الأميركي مع الأزمة السورية.. فهل يفعلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويُلحق سوريا بكوكب التغييرات التي يعلنها في كل يوم؟

شبح التقسيم.. ونهاية «داعش» و«النصرة»

أسوأ الخيارات بالنسبة لسوريا المتماسكة منذ العام 1963 هو خيار التقسيم الذي يضرب البنية الأيديولوجية للنظام ويسحب مقومات البقاء. ومع ذلك تشير الحركة العسكرية على الأرض أن الرئيس السوري بشار الأسد يتهيأ للتعامل مع كل سيناريوهات الأزمة بما فيها التقسيم.

بدأت أفكار التقسيم في سوريا من جانب الولايات المتحدة، حيث طرحت الإدارة الأميركية أفكاراً في إطار الحفاظ على واقع القتال، بحيث تكون سوريا مقسّمة وفقاً لخطوط الاشتباك؛ دمشق بيد النظام، الساحل السوري وحمص باتجاه لبنان بيد العلويين وميليشيات حزب الله، بقاء تنظيم داعش في المناطق الشرقية، الأكراد في مناطقهم الشمالية، درعا المحاذية للحدود الأردنية بيد الفصائل المعتدلة (الجبهة الجنوبية)، ويأخذ جيش الإسلام المناطق الريفية للعاصمة دمشق.

هذه الخطة التي طرحت أميركياً في صيف العام 2015 ما زالت بشكلها العام قائمة، فيما عدا توسيع الأسد لحصته في حلب وريف دمشق في بردى وعين الفيجة. إلا أن الظروف مهيأة لمثل هذا السيناريو، رغم انها لن تحظى بدعم إيران وروسيا اللتين تريدان سوريا كلّها لا سوريا المجزأة.

وفي حال نفّذ مشروع المناطق الآمنة إلى الواقع السوري الذي يبدو أن إدارة ترامب تعمل لحشد الدعم له، فإن التقسيم أو بمعنى أدق (احتفاظ كل جهة بمكتسباتها على الأرض) يبدو المآل التكتيكي للأزمة السورية إلى حين وضوح الرؤية.. لكن هل ينتهي الأمر؟

على العكس تماماً، فإن هناك معركة أخرى على الفور، فالخطة التي تلي هدوء الجبهات في سوريا، هي قتال التنظيمات المتطرفة «داعش» – وفتح الشام (النصرة سابقاً). ذلك أن الهدف الأميركي المعلن في سوريا هو التخلص من هذه التنظيمات، وهذه الفكرة تلازم المسؤولين الأميركيين في كل حديث عن الأزمة السورية.