خلال الأسبوع الفائت، تعرّض رجل الأعمال اللبناني سعد ريشا (70 عاماً) لعملية خطف على أيدي مجهولين، من أمام مؤسّسته في منطقة شتورا البقاعيّة. اقتيد إلى جهة مجهولة، واتصل الخاطفون طالبين فدية مالية. ولاحقاً، وبعد ضغوط مورست وأدوار تكاملت، أطلِق سراحه بوساطة من دون دفع فدية، ولكن أيضاً من دون القبض على الخاطفين. وفي المحصلة، تحرّر المخطوف، لكن من يضمن انتهاء مسلسل الخطف في لبنان؟
وبعد إسدال الستار على خطف ريشا، فتِحت الأبواب على مصير الخاطفين، وسط معطيات تفيد بأن هناك توجهاً رسمياً بإنهاء هذه الحالة الشاذة التي تأسر فيها أقلية خارجة عن القانون أكثرية تؤمن بحكم القانون ودولة العدالة. علماً أنه، ومنذ عام 1993، فإن هناك أكثر من 50 عملية اختطاف مدنيّين عرفها لبنان، من أبرزها عملية خطف الأستونيين السبعة التي افتتحت مسلسل الخطف بقاعاً في 23 مارس 2011، وشكّلت نقطة تحوّل «الزعران الصغار» إلى «زعران كبار».
تحوّل الدوافع
كانت عمليات الخطف على أساس الانتماء الديني والحزبي، خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، وتحوّلت إلى ظاهرة خطف على أساس الملاءة المالية أيام السلم (1990 حتى يومنا الحالي)، حيث تتسم بتنوعها الجغرافي على امتداد مساحة لبنان، ومعها تقفز «بورصة» الفدية من سعر إلى آخر، مثلما تتعدّد أساليب الخطف وفق العصابة المنفّذة. أما المفارقة المثيرة، فتكمن في كون الحريات في لبنان مكفولة في القانون، لكنها مسلوبة من الشارع والمجتمع، ومن مؤسّسات أمنية أو طائفية، حيث يصبح فعلها أكبر تأثيراً من أيّ قانون.
سيناريو الخطف
وفي ظلّ عدم وجود إحصاءات رسمية أو دراسات نظرية أو بحوث ميدانية حول عمليات اختطاف المدنيين، يجدر التذكير بأن السيناريو المعتمد في عمليات الخطف هو نفسه. تتمّ عمليات الخطف عبر مجموعتين، الأولى تكون عادةً من محيط الضحية المختطف، وتتكفّل بجمع معلومات عن واقع حالته المادية، وتعمل على تأمين الطريق واختيار الوقت المناسب للقيام بالعملية، بعد مراقبة تحركاته قبل ساعة الصفر للخطف. وتنفّذ العملية مجموعة مسلّحة تتولّى لاحقاً عملية المفاوضة. ثم يتصل الخاطفون بعائلة المخطوف، يطلبون فدية مالية تكون بداية بمئات آلاف الدولارات، قبل أن ينتهي التفاوض إلى عشرات آلاف أو بضعة آلاف الدولارات، وفقاً لكل حالة. وطبعاً، يرافق ذلك تهديد مباشر للعائلة بإيذاء المخطوف، في حال أخطرت الشرطة أو الأجهزة الأمنية لمساعدتها.
مواقع التواصل
ومن التطورات على هذا المستوى أن الخاطفين باتوا يستفيدون من مواقع التواصل الاجتماعي، للحصول على معلومات أكثر عن ضحاياهم، ويختارون أولاً أولئك الذين يستطيعون الدفع نقداً. وبحسب ناشطين في جمعيات تُعنى بحقوق الإنسان، فإن أسباب شيوع هذه الظاهرة تعود إلى عوامل عدّة، أبرزها حالة الفلتان الأمني في البلاد، واستقواء المجرمين على الدولة والقانون، وحلّ المشاكل الأمنية عن طريق التراضي في ظلّ ضعف سلطة القانون. ذلك أنه، وبحسب الناشطين أنفسهم، مع كل عشر عمليات خطف، تتمكن أجهزة الدولة من تحرير مخطوف واحد دون دفع فدية، ما يشير إلى أن كثرة الفلتان الأمني يدفع الخاطفين إلى «التفنّن» في عمليات الخطف دون الخوف من عواقب أفعالهم.