خبا الحماس لم تعد «اللحظة التاريخية» هي ذاتها.. طغى الخوف على الأمل ولكن الأخير يقاوم لايزال، الأسئلة مفتوحة وعلامات الاستفهام تمتد بطول السنوات الست التي مضت على «ثورة الياسمين» كما يحلو للتونسيين تسميتها في أيامها الأولى، ولكن بعد هذه السنوات يتلفت التونسيون فيجدون أن ياسمينهم قد طرح «زقوماً».. أو هكذا يقول بعض المتشائمين عن مصير البلاد التي انتهت ثورتها إلى قسمة بين «الأزلام» و«الإسلاميين» غير أن آخرين يرون أن ما جرى هو ثورة حقيقية وأن ما خربته الديكتاتوريات التي عاشتها تونس لا يمكن إصلاحه في خمس أو ست سنوات.

اختار الرئيس الباجي قائد السبسي أن ينزوي باحتفالات الذكرى السادسة للإطاحة ببن علي في مدينة قفصة (جنوب غرب)، ويقول مراقبون إن في هذه البادرة محاولة للخروج عن نسق الاحتفالات التقليدية بذكرى لم تعد تمثّل أية أهمية رمزية تذكر للتونسيين الذين يرى أغلبهم أن ما حدث لم يكن ثورة، كما تم الترويج لها سابقاً، وإنما انتفاضة شعبية نتجت عنها حركة تغيير لم ينبثق عنها مشروع وطني حقيقي ولا قيادة ثورية ذات رؤية متجاوزة للواقع ولا فكر ثوري يؤسس لتجربة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية جديدة، ما جعلها تنتهي إلى تقسيم السلطة بين «الأزلام» والإسلاميين، وتضع البلاد في وضع صعب على جميع الصعد، بحسب المحلل السياسي منذر ثابت الذي يضيف أن «ما قلّ وندر من التونسيين يتحدث عن ثورة، بمن في ذلك السياسيون الفاعلون الذين انغمسوا في الصراع على كعكة السلطة والمصالح الشخصية والحزبية والفئوية، وهم في أغلبهم لا يعترفون بأن ثورة قد حصلت في البلاد، وإنما تختلف قراءاتهم لما حدث في 14 يناير 2011 بين انتفاضة شعبية وانقلاب قد يكون أمنياً أو عسكرياً، ولكن المهم أنه لم يكن عفوياً ولا تلقائياً وإنما أريد له أن يكون التمرين الميداني الأول لما حدث في ما بعد بالمنطقة العربية».

ويبيّن الناشط الحقوقي صالح الزغيدي أن ما حدث في تونس قبل ست سنوات لم يكن ثورة من حيث المفهوم العام، لأن أول ما تقوم به الثورة الحقيقية هو تغيير القيادة السياسية، ولكن هذا لم يحدث لأشهر عدة بعد الإطاحة بنظام بن علي، حيث كان رئيس الدولة فؤاد المبزّع ورئيس الحكومة محمد الغنوشي من القيادات الكبرى لنظام بن علي، ثم وإلى اليوم ما زالت أغلب الشخصيات الحاكمة في البلاد كرئيس الدولة ورئيس البرلمان تنتمي إلى النظام السابق»، إذاً ماذا الذي حدث؟ يجيب الزغيدي بأنه كان «انتفاضة شعبية كبيرة ليس من أجل الحرية والديمقراطية ولكن من أجل المطالبة بالقضاء على البطالة وتحقيق التنمية الجهوية لمناطق تعرضت للتهميش والتفقير والحرمان».

تشكيك في الثورة

والمشككون في حقيقة الثورة التونسية كثر، ولم يعد مستغرباً أن يعبروا عن مواقفهم في الندوات والمؤتمرات ووسائل الإعلام، فمحمد الصحبي البصلي الدبلوماسي السابق ورئيس حزب المستقبل يؤكد بوضوح أنه لو عرف الشعب حقيقة ما حصل يومذاك لسقطت رمزية كلمة الثورة، وفق تعبيره، بينما تؤكد القيادية في حزب حركة نداء تونس الحاكم عزيزة حتيرة أن ما حدث في تونس ليس ثورة بل هي انتفاضة لم تبح بجميع أسرارها بعد، ويرى عزيز كريشان، الناشط السياسي والمستشار السياسي للرئيس السابق منصف المرزوقي، أن «ما حدث يوم 14 يناير2011 في تونس كان انقلاباً على إرادة الشعب وليس ثورة»، فيما يشير وزير التربية في حكومة الترويكا والنائب البرلماني حالياً سالم الأبيض أن ما حدث يوم 17 ديسمبر 2010 بسيدي بوزيد ثم بالقصرين وبقية المناطق كان ثورة بينما ما حدث يوم 14 يناير كان انقلاباً.

ويبرز محمد الكيلاني زعيم الحزب الاشتراكي أن ما حدث في تونس انقلاب وليس ثورة، معتبراً أنه لا يمكن الحديث عن ثورة دون رموز سياسية وقيادة وهدف واضح لهذا الحراك، ويضيف «خرجنا يوم 14 يناير متظاهرين ورفعنا ما رفعنا من شعارات ثم عدنا سالمين، وفوجئنا بالحديث عن فرار بن علي من شاشات التلفزيون» واعداً بأن يصدر قريباً كتاباً توثيقياً يقدم فيه تفاصيل الإطاحة بالنظام السابق من خلال معلومات مؤكدة حصل عليها من جهات أمنية كانت فاعلة في تلك الفترة، ودعا سفير تونس الأسبق بالمنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم مازري الحداد التونسيين إلى الاعتذار، مؤكداً أن ما حدث كان انقلاباً تم التدبير له بتنسيق بين الداخل والخارج، أما رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسى فقالت إن الشعب تعرض لخديعة كبيرة في 2011.

حنين إلى الماضي

يجمع التونسيون على أن زمن بن علي انتهى، ولكن البسطاء من الشعب يحنون إلى مرحلة حكمه، سألت صالح (53 عاماً) وهو سائق سيارة أجرة عن رأيه فأجاب «أمنياً واقتصادياً واجتماعياً كانت البلاد أفضل، اليوم ظهر الإرهاب والتطرف والتكفير وارتفعت الأسعار وصارت الدولة تعيش على القروض الخارجية، وانقسم الشعب الذي كنا نحسبه واحداً، وصرنا مطالبين بدفع أداءات أكثر، كل شيء يجعل أغلب حرفائي الذين أقلهّم في التاكسي يتذمرون من الواقع الجديد، ويعبرون عن حنينهم للماضي» وحين سألته: ألا تراه ثورة حقيقية؟ أجاب «الفساد زاد والرشوة انتشرت والانتهازية تسيطر على أهل السياسة الذي يتحدثون عن الثورة أمام وسائل الإعلام».

مساحة أمل

يرد المحلل السياسي جمعي القاسمي هذا الموقف إلى أن «التونسيين شعروا بخيبة أمل كبرى، فالإنتاج تراجع، والمديونية ارتفعت، ونسبة البطالة زادت، وموارد الدولة شحت، والسيادة الوطنية لم تعد كما كانت سابقاً، والقرار الوطني لم يعد مستقلاً، والفوضى تشل أغلب القطاعات الحيوية في البلاد، والإسلام السياسي يتمدد، والإرهاب لا يزال يمثل تهديداً حقيقياً للبلاد، وكل هذا وغيره يدفع بجانب مهم من التونسيين إلى الشعور بالحنين إلى الماضي، بل أن التونسيين حنوا إلى زمن بورقيبة بعد الإطاحة ببن علي، ثم يحنون اليوم إلى زمن بورقيبة وبن علي معاً».

مفهوم الثورة

تضاربت الآراء واختلفت حول «ماهية» ما حدث منذ 17 ديسمبر 2010 وخاصة يوم 14 يناير 2011، وتساءل المحللون هل أن ما شهدته تونس انتفاضة أم ثورة شعبية، في هذا الإطار قدم المؤرخ والقيادي في الجبهة الشعبية لطفي بن عيسى خلال مداخلته تحت عنوان «جدلية التمرد والتأسيس في الثورة التونسية» تعريف للثورة على أنها «ظاهرة اجتماعية تحمل في طياتها مسارين متلازمين: مسار تمردي شعبي ومسار تأسيسي إذا غاب أحدهما انتفى معنى الثورة»، وأنه في غياب المسار التأسيسي لا تعدو الظاهرة أن تكون حالة هيجان وغضب واحتجاج تسكن بمجرد الاستجابة للمطالب التي قامت من أجلها وإزالة الأسباب التي ولدتها كما حدث في ثورة الخبز في يناير 1984، حيث إنه وقع امتصاص غضب الشارع بمجرد تراجع السلطة عن الترفيع في سعر الخبز، وإلى حد ما الأزمات النقابية المتتالية وخاصة قمع قيادة الاتحاد التونسي للشغل إثر الإعلان عن الإضراب العام في 26 يناير 1978.

غير أن مناصري الثورة لا يزال الأمل عندهم يقاوم مساحات الخوف يتشبثون بمقولة إن الديكتاتوريات التي عاشت تونس تحت وطأتها لن تزول آثارها في سنوات قلائل، فعمر الثورة ست سنوات، المؤسسات الديمقراطية مازالت تتعثر خطواتها ولكن مع الأيام عودها سيقوى.

انتعاشة

ويرى المراقبون ان الثورة فتحت، الباب أمام انتعاشات غير محسوسة في مجال الحريات وحقوق الانسان برزت بشكل جلي في الاعمال الفنية، فظهرت عشرات الأعمال السينمائية والمسرحية والدرامية، بعيدا عن سيف الرقابة «وتكميم الأفواه»، وفق المراقبين والعاملين بالقطاع الثقافي بتونس.

وتناولت كثير من الأعمال الفنية، لا سيما السينمائية منها، تفاصيل ما عاشه الشعب التونسي في الفترة التي سبقت اندلاع شرارة الثورة، ومحاكاة لما رافقها من ظواهر سياسية واجتماعية وثقافية في أعقابها، من بينها فيلم «الربيع التونسي» للمخرجة رجاء العماري.

وسارعت أعمال أخرى لتصوير حدث الإطاحة بالنظام الذي شكل منعرجا في حياة نحو 11 مليون نسمة، من بينها فيلم «على حلة عيني» للمخرجة ليلى بوزيد، الذي تناول قصة شابة تونسية ترغب في الانضمام إلى فرقة للموسيقى المستقلة، ما أقحمها في صراع مع السلطات التونسية بسبب مضمون أغانيها.

ووثقت كاميرا المخرج التونسي الشاب مراد بالشيخ عبر فيلم «لا خوف بعد اليوم»، تفاصيل الثورة التونسية وشجاعة أبناء بلاده في إسقاط النظام الحاكم وكسر حاجز الخوف، وعرض الفيلم في مهرجان «كان» السينمائي العام 2011.

20

شهدت تونس منذ الاطاحة بحكم الرئيس زين العابدين بن علي مالا يقل عن عشرين حادثاً إرهابياً، أعنفها الذي في محيط البرلمان بالعاصمة، وتحديداً في متحف باردو، حيث أدت العملية إلى مقتل 23 شخصا من بينهم 17 سائحا على الأقل، بالإضافة إلى إصابة 50، قبل أن تتمكن قوات الأمن من تحرير الرهائن قتل اثنين من منفذي العملية.

تراجع اقتصادي ومديونيات

تراجع الوضع في تونس إلى مستويات تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ البلاد الحديث، يقول الخبير الاقتصادي معز الجودي «تختلف التسميات، لما حدث في 14 يناير 2011، وأقول هي انتفاضة شعبية أكثر منها ثورة، فالأخيرة تحدث تغييراً في العقليات والمفاهيم والثقافة ونمط العيش وطريقة التفكير، وبمعنى آخر تغيير في كل المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا ما لم يحدث في تونس، وبالتالي ما حدث في يناير 2011، لم يكن ثورة مثل الثورة الفرنسية، وسأطرح هنا 5 أرقام لتوضيح كلامي، ففي نهاية 2010، مع بداية الانتفاضة، في 17 ديسمبر من العام نفسه، كانت نسبة الاقتراض الإجمالي في تونس 39%، من الناتج المحلى الخام، وهي نسبة معقولة للغاية، الآن نسبة الاقتراض بلغت 54%، ما يعنى قفزة كبيرة جداً في الاقتراض.

وبالتالي تحولنا إلى بلاد مديونة، بينما في السابق كان لدينا صلابة واستقلالية مالية، أما الرقم الثاني فهو أن المواطن التونسي منذ عام 2011، حتى نهاية عام 2015 فقد 40% من المقدرة الشرائية له، وهذا رقم رسمي من المعهد الوطني للإحصاء، والرقم الثالث هو أن 54% من الناتج المحلي في تونس يعتبر اقتصاداً موازياً، بينما كانت هذه النسبة 14% قبل 2011، والرقم الرابع 2% من الناتج المحلي الخام، رشوة وفساد، وهي أمور استفحلت كثيراً بعد سقوط بن علي بسبب غياب الدولة، الرقم الخامس نسبة النمو في تونس عام 2015 تراوحت ما بين 0.2% و0.3%، وكانت نسبة النمو قبل 2011 ما بين 4 و5%، فما حدث ليس ثورة بل خسارة على جميع المستويات، نظراً لفقد البلاد استقلاليتها المالية، وحتى الآن لم تنجح هذه الانتفاضة في تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المرجوة، وربما هناك تحسن محدود على المستوى الديمقراطي؛ فهناك حرية تعبير ومجتمع مدني قوي صلب، وانتخابات نيابية ورئاسية حرة وشفافة.