ينتهي العمر الطبيعي لحكومة الرئيس سعد الحريري في 20 يونيو 2017. وبعد هذا التاريخ، تدخل في مرحلة تصريف أعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة، تفرزها الانتخابات النيابية التي يفترض أن تجري خلال الستين يوماً السابقة لانتهاء ولاية المجلس النيابي في 20 يونيو، أي ما بين 20 أبريل و20 يونيو. ومعنى ذلك أن السقف الزمني ليس مفتوحاً أمام الحكومة، بل هو محدّد بنحو ستة أشهر.
وفي ظلّ مفاعيل التسوية الكبرى التي لم ينضب بعد «وقودها السياسي»، كما يدلّ العبور السريع للاستحقاقات الدستورية المتلاحقة منذ أن كسر انتخاب العماد ميشال عون الحلقة المفرغة وأعاد ترسيم قواعد اللعبة وفق معادلات واصطفافات جديدة، وبالاستناد الى معالم تعقيدات كبيرة ومتراكمة في واقع موروث من حقبة الفراغ الرئاسي تحديداً، ترك وراءه مجموعات من الأزمات المنتشرة على رقعة مترامية من القطاعات المنهكة في كل المجالات، الاقتصادية والمالية والاجتماعية والحياتية والخدماتية، بلوغاً إلى «أمّ الاستحقاقات الداهمة»، أي العدّ العكسي للانتخابات النيابية، فإن الحكومة محكومة داخلياً برهان، مفاده أن تتحول إلى حكومة استثنائية تعمل وتنجز، خصوصاً وأن جدول مهماتها أريد له أن يكون متواضعاً، ويتمحور حول بندين أساسيين، هما الموازنة العامة والقانون الانتخابي، دون مقاربة أيّ من الملفات الخلافية التي قد تحرف مسارها في الاتجاه الذي يجعلها عالقة فيها دون إمكانية الخروج من حقل تعقيداتها الواسعة.
ولأن الوقت محسوب عليها، فأمامها أيام قليلة للانتهاء من البند الأول، أي إعداد موازنة عامة تعيد الانتظام الى الوضع المالي بدلاً من غيابها عن سجلات الحكومة منذ 11 عاماً، إذ لا يمكن الاستمرار في الصرف على القاعدة الإثني عشرية، في ظلّ ارتفاع العجز في الموازنة إلى أكثر من 10 في المئة من الناتج المحلي، أي 52 مليار دولار، ووسط المخاوف من أنه، في حال عدم إقرار الموازنة، فإن المديونية العامة قد تصل إلى 80 مليار دولار في نهاية العام 2017.
قانون انتخابي
أما الرهان الثاني، فيتمثل بإعداد قانون إنتخابي جديد على أنقاض «قانون الستين». ذلك أن المهمة الانتخابية للحكومة ليست سهلة في ظلّ الانقسام الحادّ حول شكل القانون، وتجاوز هذا الانقسام يتطلّب، بحسب تأكيد مصادر سياسية بارزة لـ«البيان»، جهوداً خارقة للوصول إلى قانون انتخابي يراعي هواجس ومصالح كل الأطراف ويترجم شعار العدالة وسلامة التمثيل. ذلك أن إقرار القانون الانتخابي سريعاً هو، بحسب المصادر نفسها، المفتاح لتسهيل مقاربة سائر الملفات، فإن أقِرّ بالإيجابية السائدة حالياً فذلك سيسهّل بحث كل القضايا الأخرى ويجعل من مجلس الوزراء ساحة توافق وليس ساحة متاريس، على غرار ما كان سائداً أيام الحكومات السابقة.
على أنّ كل ذلك مرهون بصدق النيّات وترجمتها من قبل مكوّنات الحكومة. والمسؤولية الكبرى، في هذا المجال، تقع على عاتق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي تعهّد في «خطاب القسَم» بإقرار قانون انتخاب جديد تجري الانتخابات المقبلة على أساسه. وكذلك على عاتق رئيس الحكومة الذي سيكون عليه قبول التحدّي لإنجاح حكومته في مهمتها.
اختبار صعب
ويبقى أن الاختبار الأصعب والأدقّ الذي يواجه الحكومة هو كسب الثقة الشعبية خلال الأشهر القليلة المتبقية من عملها، فـ«عملية استعادة الثقة تبدأ بالاتفاق على الواقع الذي نحن فيه (..) لقد اخترنا لحكومتنا عنوان «إستعادة الثقة»، لأن الثقة هي أغلى ما يمكن أن يملكه بلدنا، واستعادتها هي أسرع ما يمكن أن ننجزه»، كما قال رئيسها.
علماً أن بيانها الوزاري ذهب بعيداً في التسويق لآمال عريضة، هي أقرب إلى الأوهام، ربطاً بالمدة الزمنية القصيرة التي ستمضيها الحكومة في الخدمة، ومن شأنها أن تمنعها من تحقيق الكثير، لا سيما أن التجارب السابقة لم تكن مشجعة بتاتاً، برغم أن الظروف العامة المحيطة بها كانت أفضل.
رهانات خارجيّة
إلى ذلك، انطلقت الرهانات الحكومية، خارجياً، من عهد جولات وزيارات عابرة للحدود الضيقة إلى آفاق جديدة ترسم خريطة طريق علاقات لبنان بدول الجوار، وأبعد منها إلى علاقات على مستوى دولي.. وخطوة الألف ميل بدأت بالزيارة التي قام بها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، مطلع الأسبوع الجاري، إلى المملكة العربية السعودية، إذ عكس حجم التمثيل السياسي والوزاري في الوفد المرافق عناية في الاختيار والاهتمام والرهانات اللبنانية على إنتاجية الزيارة، وموقعها المركزي والاستراتيجي، والتي تندرج في إعادة الثقة العربية والدولية بالبلد، بدءاً من البوابة السعودية خاصةً والخليجية عامة، لأسباب تاريخية وراهنة، وذلك في أعقاب ما شاب العلاقات اللبنانية- الخليجية من فتور بسبب الشغور في رئاسة الجمهورية والتباين في المواقف حيال الحرب الدائرة في سوريا.
وقالت مصادر لبنانية رسمية لـ«البيان» إن اختبار الرئيس عون أن تكون المملكة المحطة الأولى في الحركة الخارجية لا تتعلق بالبروتوكول فقط، وإنما تنبع من حرصه التام على تعزيز العلاقات مع الرياض سياسيا واقتصاديا.
