يصعب على القادم من جهة الرملة البيضاء أو من جهة الأوزاعي، في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، الانتباه للمفرق المؤدّي إلى البحر. في هذه الرقعة، تنتشر محلات تصليح سيارات، تعلوها كلمات مثل: «كاراج»، «أشكمانات»، «إشابمانات» و«موتورات»، كتبها جميعها على ما يبدو خطّاط واحد.. تدفع شدّة انحدار الطريق إلى نزوله هرولةً، ليكتشف المرء عند وصوله أنّ عالماً بكامله قائم هناك.

في هذه البقعة الجغرافية، التي تبدو كأنما الحرب بالكاد وضعت أوزارها فيها، تحتلّ مجموعة كبيرة من الأبنية المتداخلة فيما بينها مجال الرؤية. يظهر جليّاً، بسبب جدرانها غير المدهونة وأبوابها الحديدية المتشابهة، أنّها عُمّرت على عجل.

فقر وحرمان

أكثر من فقر وأصعب من حرمان في بقعة يصحّ وصفها بأنها خارج حدود الحياة.. نحو 2500 عائلة لبنانية، إضافة إلى المئات من الأكراد والسوريين والفلسطينيين والآسيويين، تعيش في زواريب هذه البقعة الجغرافيّة الصغيرة التي لم يخفِ الفقر وجهه فيها أمام غنى منطقة «الجناح» وعراقتها.. بيوت «التنَك» والخشب تتزاحم فيها.. شوارع ضيّقة تغمرها مياه الأمطار.. سيارات مصطفّةً في كلّ مكانٍ.. أكوام من النفايات، تليها مجموعة من الزوارق، ومن ثمّ البحر والسماء القريبة جداً.. أولاد يركضون حفاةً بثيابهم العتيقة. «أشباه» غرف متلاصقة تضمّ كل واحدة منها ما بين 6 و10 أشخاص يعيشون بـ«الموجود»، وسقوف «الزينكو» لا تقي أغلبهم قيظ الصيف وأمطار الشتاء.. جبل من النفايات يتوسّط بيوتهم، وعند الجهة الأخرى تصبّ «مجارير» الضاحية الجنوبية لبيروت بكاملها.. أسلاك كهربائية موزّعة بشكل عشوائي.. وبين التنَك والخشب، فإن مياه البحر تختار كليهما لتزيد المأساة.

«جمهورية مستقلّة»

إنها «جمهورية الجناح» المستقلّة بتجاوزات «قبضاياتها المدعومين»، التي باتت علامة فارقة عبر «وزرائها الجُباة»، لكون الواقع يؤكد أن هذه المنطقة «كوكب» آخر ليس خاضعاً لأيّ سلطة «شرعية».. أحد هؤلاء ينادونه «حمّودي»، يلعب في المنطقة دور «الوزير» المولَج بأمور الكهرباء و«جابي مؤسّسة الكهرباء» التي يترأسها هناك.. يفرض «معاليه» رسماً شهرياً على كل منزل أو غرفة سكنيّة.. شقيقه الأصغر، بمنزلة «وزير الأشغال» في الحيّ، في حين يقبض المدعو «أبو زياد» على مقاليد ما يمكن اعتباره «وزارة المياه».

بؤس

من «الكرنتينا» ومخيّم «تلّ الزعتر» (إحدى مخيّمات «اللاجئين» الفلسطينيين في لبنان) إلى هذا المكان «البائس».. وفي الأسماء تكمن الحكاية التي تعود فصولها إلى عام 1976.. يومها، أجبِر الأهالي على مغادرة ما كان يسمى بـ«بيروت الشرقيّة» إلى هذا المكان الذي كان آنذاك ينتمي إلى «بيروت الغربيّة».. الختيارة «أم سليمان»، تختصر صورة المنطقة التي أجبِرت على العيش فيها بعبارة واحدة: «عايشين هون من قلّة الموت».