اكتظّت سجون تونس حتى فاضت، فلم تجد حكومة الشاهد وسيلة أجدى من التخلّي عن معاقبة مستهلكي بعض أنواع المخدرات على شاكلة القنب الهندي «الحشيش»، في ظل إحصائيات رسمية تقول إنّ مستهلكي هذا المخدر يقدّرون بنحو 13.7 في المئة ممن هم دون الـ 17 عاماً.
وفيما دعت وزيرة الصحة سميرة مرعي إلى معاقبة المروّجين لا المتعاطين، شدّدت على أنّ مشروع القانون المتصل بمراجعة الفصل 52 من القانون الجزائي المتعلق بالمخدرات، يهدف في الأساس إلى ملائمة التشريع الوطني في مكافحة المخدرات مع الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس وتدعيم الجانب الوقائي.
ولا تجد الوزيرة التونسية في السجن حلّاً لاسيّما أنّ من يتعاطون هذه الأنواع من المخدّرات من فئتي الشباب والأطفال، وتعرّج إلى أنّ تكلفة علاج المدمن في السجن تبلغ نحو 30 دولاراً في اليوم الواحد.
وفي بلد لا يزال يعيش تداعيات ثورة الياسمين وما جرّته من تداعٍ اقتصادي، تسعى مؤسّساته بما فيها السجون لتقليص نفقاتها ودخول عش التقشّف، فيما يزيد نقص الكادر الطبي للإشراف على المدمنين من الطين بلّة.
ولا يقتصر سجن متعاطي المخدرات وفق السلطات على تكلفتها الاقتصادية غير المحتملة، بل يتعدى الأمر ذلك إلى خطر أكبر تحذّر منه منظمات المجتمع المدني والمتمثّل في عواقب اختلاط الشباب واليفّع مع عتاة المجرمين داخل السجن، أو تجنيد بعضهم من قبل إرهابيين يتقاسمون معهم المكان، وفي البال ما حدث سابقاً عدد من الشبان ممن تورّطوا في قضايا تدخين الحشيش ليدخلوا السجن مدمنين ويخرجوا منه إرهابيين «كاملي الدسم».
مليون متعاطٍ
وعلى الرغم من غياب أرقام رسمية عن نسب استهلاك «الزطلة» كما يطلق عليها محليّاً، فإنّ دراسات تكشف عن أنّ نسب تعاطيها بين الشباب تصل إلى 30 في المئة في الفئة بين 13 و35 عاماً، ما يصل بعدد المستهلكين بين هذه الفئات إلى نحو مليون مستهلك.
وتسير نسب تعاطي «الزطلة» في تونس على نحو تنازلي، ففيما تصل النسبة في الفئة العمرية بين 13 و18 عاماً إلى 57 في المئة، تقل تدريجيا ًبين الفئات الأكبر سنّا لتصل إلى 36.2 في المائة بين 18 و25 عاماً، منخفضة إلى 4.7 في المئة بين 25 و35 عاماً، فيما لا تتجاوز بين 35 و50 عاماً نسبة 2 في المئة.
قانون جديد
وفي سبيل تحقيق هذا الهدف لا مناص من السعي لتشريع قانون جديد يلغي القانون 52 لسنة 1992، ليتضمن تشكيل هياكل مختصة في مجال الوقاية من المخدرات على المستويين الوطني والجهوي، وتشجيع متعاطي المخدرات على الخضوع التلقائي للعلاج بإقرار عدم إثارة الدعوى العمومية أو ايقاف التتبّع القانوني والمحاكمة لمن يعبر عن رغبته في العلاج سواء قبل اكتشاف الجريمة أو بعدها، وإقرار نظام جديد للعقوبات في جنح الاستهلاك الشخصي، يستبعد تطبيق عقوبة السجن في المرتين الأولى والثانية، ويقر تطبيق ظروف التخفيف الواردة في الفصل 53 من القانون الجزائي في غيرها، وعدم اللجوء للردع إلّا حال الفشل في إصلاح المتعاطي.
ويقر القانون الجديد استبدال العقاب البدني بعقوبة العمل من أجل المصلحة العامة، وتقنين وسائل التحري كاعتراض اتصالات ذي الشبهة والاختراق والمراقبة السمعية البصرية، وحماية الأطراف المتداخلة في مكافحة جرائم المخدرات «قضاة، أعوان الضابطة العدلية، مساعدي القضاء»، وتجريم استبدال وتغيير العينات البيولوجية أو أخذها من شخص آخر، أو تغيير نتيجة التحاليل أو افتعال نتائج غير حقيقية أو إتلاف عينة بيولوجية أو نتيجة تحليل، وإقرار صور جديدة للتجريم لزجر أفعال أصبحت تشكل ظواهر خطيرة، مثل عرض أو تسليم مخدرات بغرض الاستهلاك دون مقابل، ووضع مخدرات بمواد غذائية أو مشروبات أو أي مواد أخرى وتسليمها للاستهلاك، فضلاً عن عقاب تكميلي عند الحكم في جرائم الاستهلاك مثل سحب رخصة القيادة أو المنع من الحصول عليها لمدة يحددها القاضي.
