بين غربة مزّقت أرواحهم وإعاقة أغرقتهم في بحار البؤس والعوز، يعيشون هناك على بعد مئات الكيلومترات من بلادهم «سوريا» التي دمرت فيها أحلامهم، وهدِّمت بيوتهم. لكنّ ذكريات العمر هنالك تظل عصيّة على النسيان، لا يحدوهم سوى أمل في العودة، ذلك الأمل الذي يتسلحون به كي لا يموتوا قهرًا وغربة في بلد اللجوء.

وفق بيانات وإحصائيات الأمم المتحدة، هناك نحو 2.8 مليون سوري يعانون من إعاقة جسدية دائمة جراء الحرب، وكذا 30 ألفًا يتعرضون شهريًا لصدمات نفسية جراء الصراع المحتدم. لعل ذلك كان دافعًا رئيسًا لإطلاق مجموعة من الشباب السوريين المقيمين في تركيا مبادرتهم «ساعدني» لمساعدة المرضى ومصابي الحرب وذوي الإعاقة والظروف الخاصة من السوريين المتواجدين في تركيا، لتخفيف الأعباء والضغوط الملقاة على عاتقهم، والمعاناة المزدوجة التي يلاقونها بين غربة وإعاقة.

مبادرة شبابية

«لسنا منظمة أو جميعة، نحن شباب سوريون أخذنا على عاتقنا مساعدة المرضى والمصابين السوريين في تركيا».. شعار المبادرة الشبابية التي تأسست قبل شهر واحد فقط، وتعمل على تقديم يد العون للفقراء والمرضى ومصابي الحرب.. حالات تجعل القلب يقطر دمًا تنشرها صفحة الحملة عبر «فيسبوك»، جميعها لسوريين متواجدين في تركيا أصحاب ظروف قاسية جدًا، يعرضون أحوالهم واحتياجاتهم في زمنِ الحرب التي تشهدها بلادهم بالصوت والصورة.

ليلة رأس السنة ووسط الاحتفالات، بدأتُ تواصلي من القاهرة – عبر أحد تطبيقات الاتصالات الهاتفية - مع مؤسس الحملة. كنت أدرك أن الوقت غير مناسب؛ فللجميع في تلك اللحظة الفارقة مع نهاية عام وبداية آخر طقوس خاصة مختلفة، غير أن حديث مؤسس الحملة إبراهيم محمد جاء متدفقًا ومسترسلًا في شرح أهدافهم. بدأ يحكي بنبرة حزينة تتمازج فيها آلام الاغتراب وآلام الناس الذين يمزقهم الفقر.

لا معيل

«أسرة من 14 شخصًا بلا معيل إلا الله، الجد فيها ضرير والجدة تغسل كلى بصفة دورية، وكذا الأب مريض كلى، وطفل مصاب بضمور في الدماغ»، حالة من ضمن الحالات تحدّث عنها «إبراهيم»، قبل أن يتحدّث عن حالة الشاب أكرم.

«أكرم وضعه صعب، وما قدرنا أن نلقى أحدًا يساعده.. هو من مواليد 1994، تعرض لإصابة في ظهره فصار عنده ضرر بالنخاع الشوكي، ولا يقدر أن يحرك يده ولا رجليه، صار مصاباً بشلل كامل.. وضعه المادي سيئ كثيرًا، وما له علاج هنا، قامت الأمم المتحدة بتحويله إلى أنقره، وما عنده مال للسفر والعيش في أنقرة».

مبادرة ساعدني

«عدنان رحيباني» أب سوري – من ضمن الحالات المعروضة على صفحة المبادرة - لديه ثلاثة أطفال، وهو وزوجته أصمان أبكمان، طردهم صاحب البيت الذي يسكنون فيه لعدم قدرتهم على دفع الإيجار الشهري، ليشردوا بعدها في الشارع حتى تلقفهم أحد فاعلي الخير واستضافهم لمدة شهر في بيته، وهم أسرة لا حول لها ولا قوة.

يقول إبراهيم إنه يعمل وابن عمه (وهما مؤسسا الحملة) على مدار 12 ساعة يوميًا في عملهم الخاص، ويكرسون باقي وقتهم من أجل عملهم العام في مبادرة ساعدني، مؤكدًا تطلعهم لتوسيع نطاق عملهم ليشمل السوريين في دول أخرى.

«كتير من السوريين عندهم إعاقة، وهناك منظمات إنسانية لكن معظمها لا يساعد.. كل بيت ندخل نصور فيه يقولوا لنا إن منظمات إجت وصوروا وراحوا بدون ما يساعدوا ولهلا ما رجعوا».

ويختتم إبراهيم حديثه قائلًا: «نحن لا نتلقى دعماً من حدا، وما في أي تعاون بينا وبين المنظمات الموجودة في مدينة غازي عنتاب التركية».

مخيم

أظهرت دراسة حديثة لمركز أبحاث تركي أن «عدد اللاجئين السوريين في تركيا قد يتجاوز 3 ملايين لاجئ في المستقبل القريب». ولا يرى إبراهيم عقبات كثيرة تواجههم في تركيا «لكن في كل الأحوال ابن البلد غير اللاجئ».

وقبل حوالي أسبوعين شرعت السلطات التركية ببناء مخيم لاستيعاب أعداد من السوريين الذين تم إجلاؤهم من شرقي حلب.

ووفق مصادر تركية، يتسع المخيم الجاري إنشاؤه في بلدة ريحانلي بولاية هطاي جنوبي البلاد، لألف شخص.