تعيش تونس، منذ أيام على وقع جدل واسع حول ملف إمكانية عودة الإرهابيين الحاملين للجنسية التونسية إلى تونس من بؤر التوتر مثل سوريا والعراق وليبيا. جدل يتسع وسط تضارب في مواقف مختلف المسؤولين في الدولة، وأيضاً الأحزاب السياسية الحكومية والمعارضة.
الشرارة الأولى
انطلق الجدل بعد تصريح إعلامي لرئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي أكد فيه أن السجون التونسية غير قادرة على استيعاب أعداد الإرهابيين التونسيين، الذين يقاتلون اليوم في سوريا والعراق وليبيا، والذين يقدر أعدادهم حسب أرقام رسمية بثلاثة آلاف تونسي.
التصريح أثار حفيظة عدد من رؤساء الأحزاب ونشطاء المجتمع المدني، مؤكدين رفضهم لعودة هؤلاء في ظروف غامضة حتى ولو كان مصيرهم السجون، وأشعل حالة من التوتر والانقسام في صفوف الفضاءات الإعلامية والنقاشات الدائرة في المنابر التلفزيونية.
الإرهاب والتوبة
في تعليق حول الموضوع نفسه اعتمد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي على مثل شعبي تونسي متداول «اللحم كان نتن ما ليه كان بأماليه»، والمقصود به لا يمكن الاستغناء عن التونسيين حتى ولو أجرموا وسفكوا الدماء، وعودتهم أمر واقع لا يمكن رفضه.
التصريح لم يمر مرار الكرام، وأصبح جملة تردد في كل المنابر الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة.
وانبرى عدد كبير من مسؤولي حركة النهضة في محاولة لتفسير التصريح وتوضيحه، لما أثاره من حفيظة الرأي العام التونسي الرافض قطعاً لعودة الإرهابيين إلى تونس.
من جانب آخر وفي تصريحات مساندة لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أكد عدد من مسؤولي الحركة أنه لا يمكن محاسبة جميع العائدين بالقانون نفسه، مبرزين أن عدداً كبيراً من شباب تونس وقع التغرير به، والبعض الآخر سافر لأغراض نبيلة، وبهدف القيام بأعمال الإغاثة ومساعدة الشعب السوري من بطش نظام بشار الأسد، حيث لمح البعض إلى إمكانية اللجوء إلى بعث مبادرة تشريعية جديدة، بهدف سن قانون جديد عنوانه «قانون التوبة والغفران».
أرقام وإحصاءات متضاربة
تتحدث الأرقام شبه الرسمية كما جاء في نص تحليلي للباحث الجامعي التونسي عبيد خليفي عن ثلاثة آلاف مقاتل تونسي التحقوا بالتنظيمات الإرهابية في سوريا، مع وجود تقديرات غير رسمية لعدد 5800 مقاتل تونسي موزّعين بين مختلف مناطق التوتر في العالم، كما تفيد بعض المؤشرات بمقتل وأسر قرابة ألف من المقاتلين التونسيين، وعودة 800 آخرين بعضهم سُجن وآخرون يخضعون لمراقبة أمنية دائمة، وهذه الأرقام تجعل من تونس متصدرة لعقيدة «الهجرة للقتال»، وهي العقيدة التي وجدت دعماً إبّان الثورة السورية، ولم تكن ليبيا سوى «دار الضيافة» للتدريب والتسفير والعبور، وإزاء هذه المعطيات يدخل ملف الإرهابيين العائدين إلى تونس ضمن الترتيبات الجديدة للمشرق، إما بوضعهم شوكة دائمة في أطراف المجال السوري لتحسين شروط التفاوض مع النظام السوري، وإما لإعادتهم نحو أوطانهم والتحضير لنزاع جديد يستهدف مجالاً «جيوسياسي» جديداً، ربّما يكون المغرب العربي وتحديداً الجزائر، وهنا لا بدّ من استحضار تجربة الأفغان العرب، بعد عودتهم من أفغانستان عند الانسحاب الروسي سنة 1989، حين تجلى في النقلة النوعية لتجربة القتال في مصر والجزائر واليمن متجلية في فروع تنظيمات متنوعة شكلت في فترة لاحقة فروعاً لتنظيم القاعدة في هذه البلدان.
الإشاعة تملأ الفراغ
مع مرور الأيام أصبح الجدل يزداد حدة وسط كم هائل من الإشاعات عن إمكانية تسرب البعض من الإرهابيين إلى تونس وعن إمكانية دخول البعض الآخر بتسهيلات حكومية في كنف السرية، فالإشاعات وصلت إلى حد اتهام وسائل الإعلام الرسمية بالتكتم عن المعلومات بتعليمات رسمية من رئيس الحكومة.
البعض يتحدث عن العودة الجوية والآخر يتحدث عن العودة البرية وسط كم هائل من الإشاعات التي اجتاحت المواقع الاجتماعية وخاصة «الفيسبوك»، ما اضطر بعض الوزارات كالداخلية والنقل والخارجية لإصدار بيانات تكذيب للكم الهائل من الإشاعات.
وبالرغم من كل البيانات الرسمية والبلاغات الإعلامية النافية لأخبار عودة عدد من الإرهابيين، وبدأ تدفقهم على تونس بدأ البعض من ناشطي المجتمع المدني بالدعوات لتحريك الشعب الرافض، والنزول إلى الشارع والساحات العمومية لتنظيم وقفات احتجاجية ومسيرات منددة بإمكانية إصدار قانون يسمح للإرهابيين بالعودة، وسط تضارب كبير في المعلومات الرسمية وغير الرسمية، ما قد يذهب بالمجتمع التونسي إلى حد الفتنة والصراع والعنف.
قانون الإرهاب
اجتمعت معظم مواقف المسؤولين السياسيين في الأحزاب على ضرورة محاسبة كل العائدين تحت طائلة قانون الإرهاب بعد الإعداد المحكم والتنسيق الضروري بين وزارتي الداخلية والعدل، حيث أصدر عدد من الأحزاب السياسية بيانات رسمية شديدة اللهجة، تطالب فيه الحكومة والدولة بضرورة تطبيق قانون الإرهاب وسجن كل المشتبه فيهم ومنعهم من إمكانية تشكيل خطر على أمن تونس.
المصالحة والإدماج
وحدهم أنصار وبعض مسؤولي حزب حركة النهضة يصرون على ضرورة عدم خلط كل العائدين في خانة واحدة، فبعضهم شباب تم تغرير به، وقد يعلنون الندم والتوبة والبعض الآخر توجه لبؤر التوتر، بهدف حماية الأبرياء من بطش نظام بشار الأسد، ودعوا حكومة الوحدة الوطنية التونسية إلى ضرورة إحداث مراكز للإصلاح والإدماج تساعد على إمكانية تأهيل بعض من شباب تونس وإمكانية إدماجهم من جديد في المجتمع التونسي، بعد إعلانهم التوبة والندم.
شكوك دستورية
اتجه بعض المحللين والفاعلين في الحقل السياسي التونسي إلى ضرورة مراجعة الفصل 25 من الدستور التونسي، لما يمثله من بوابة العودة الآمنة للإرهابيين، حيث صرح النائب بالمجلس التأسيسي هشام حسني في أحد البرامج الإذاعية بأن حركة النهضة أمنت كتابة هذا الفصل في الدستور كونه بوابة آمنة لعودة الإرهابيين التونسيين، بعد الانتهاء من مهام القتل وسفك الدماء في سوريا والعراق.
يذكر أن الفصل 25 من الدستور التونسي الحالي ينص على عدم إمكانية سحب الجنسية التونسية من أي مواطن، وينص أيضاً على عدم إمكانية منع أي مواطن تونسي من العودة إلى بلاده مهما اقترفت يداه.
من المسؤول؟
في ظل تصاعد الجدل الحاد بين الرافض لعودة الإرهابيين التونسيين، والمطالب بضرورة استقبالهم وتأهيلهم داخل مراكز للإصلاح والإدماج تعالت من جديد الاتهامات بين الأطراف السياسية في تونس الجديدة حول المرجعية الفكرية المعتمدة للالتحاق شباب تونس بالقتال في مناطق الحروب في المشرق، وتعددت الأسئلة عن تساهل حكومة الترويكا السابقة في التعامل مع دعواتهم وأفكارهم المتطرفة وأعمالهم العنيفة في سنوات النشأة والتشكل والنشاط العلني.
اتهامات قد تصل حد التصادم بعد إصدار حزبي حركة مشروع تونس، والاتحاد الوطني الحر بياناً مشتركاً شديد اللهجة أكدا خلاله ضرورة تخلي كل تونسي أعلن البيعة لتنظيم داعش الإرهابي عن جنسيته.
أسئلة
في حالة القناعة بضرورة عودة الشباب التونسي المقاتل في بؤر التوتر ومحاسبتهم، تحت طائلة قانون الإرهاب مطروح اليوم على الحكومة التونسية أكثر من سؤال أهمها:
هل السجون التونسية قادرة اليوم على استيعاب آلاف الإرهابيين ومع إمكانية فصلهم عن مساجين الحق العام؟ هل القطب القضائي المتخصص في القضايا الإرهابية قادر اليوم على استيعاب آلاف الملفات الجديدة للبت فيها؟
الأشهر القليلة المقبلة قد تكون كفيلة بالإجابة عن هذه الأسئلة.
إضاءة
أكد وزير الداخلية التونسي، الهادي مجدوب، السبت الماضي، أن 800 تونسي عادوا من بؤر التوتر، مشيراً إلى أن الوزارة لديها كافة المعطيات المتعلقة بهم، وأن هذا الرقم نشرته وزارة الداخلية.
وتجري في تونس، تعبئة واسعة، رافضة لعودة الإرهابيين، الذين يرون أنهم يمثلون خطراً على استقرار المجتمع، وعلى تواصل مسار الانتقال الديمقراطي.

