بعدما نالت حكومة الرئيس سعد الحريري ثقة وازنة من مجلس النواب، فمن المنتظر أن تنصرف إلى مسارات متزامنة عدّة، أبرزها: ورشة قانون الانتخاب الذي يرجّح أن يكون مختلطاً وتجري على أساسه الانتخابات المقبلة، وورشة إقرار الموازنة العامة للعام 2017 والتي يتوقّع أن تكون موضوعية، وبدء إعادة تكوين السلطة الإدارية المتمثلة في ملء الشواغر في المواقع والمناصب، استعداداً لتحريك عجلة الدولة بعد سنتين وأكثر من الفرملة.
وفيما العمر الفعلي للحكومة الـ25 منذ بداية الاستقلال، والـ74 في تاريخ الجمهورية اللبنانية، هو بضعة أشهر، لن يزيد عن شهر مايو المقبل، موعد إجراء الانتخابات النيابية، فإنّ البحث الفعلي في قانون الانتخاب سيكون على موعد انطلاقته الكبيرة بعد رأس السنة، حيث يبدأ السباق مع الوقت بما يلزم القوى السياسية الإسراع في بتّ الخلافات حول قانون الانتخاب تحت وطأة سريان مهل «قانون الستّين»، من أجل بلورة صيغة تتيح التوصل لقانون عادل يحظى بموافقة الجميع.
تحديات
وعليه، فإنّ أسئلة وتحديات من نوع آخر يجب أن تتصدّى لها القوى السياسية الأساسية، لا اللجان، وهي: هل هناك إرادة حقيقيّة بإنتاج قانون انتخابي عادل وعصري؟ هل يمكن إنجازه بمعزل عن سلّة متكاملة أم أنه جزء عضوي وحتمي منها؟ ما هو المعطى الذي من شأنه أن يكسر الحلقة المفرغة التي يدور فيها البحث منذ وقت طويل؟ وهل المضمر لدى بعض الأطراف مغاير للمعلن، وتحديداً لجهة الموقف من «قانون الستّين» الذي يتبرّأ منه الجميع في الظاهر خلافاً لما يتمّ الهمس به في السرّ؟
على خطّ المسارات الإيجابيّة
ولا تزال المسارات الإيجابيّة تشترك برسم الصورة المقبلة، بعدما سلكت الاستحقاقات طريقها نحو الحلحلة، في حين عاد قانون الانتخاب ليفرض إيقاعه على المسرح السياسي، على وقع المهل الزمنية والدستورية الضيقة التي باتت تستوجب حسماً سريعاً للخيارات، تحت طائلة بقاء «قانون الستّين». ذلك أن نجاح هذه الحكومة مرهون بالدرجة الأولى بإقرار قانون الانتخاب. فإذا فشلت، سيكون ذلك دخول البلاد في أفق مسدود، في اعتبار أنّ كل المواقف تشير إلى استحالة إجراء الانتخابات على أساس قانون الستّين النافذ، توازيها استحالة تمديد جديد لولاية مجلس النواب.
والمسؤولية الكبرى، في هذا المجال، تقع على عاتق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي تعهّد في «خطاب القسَم» بإقرار قانون انتخاب جديد تجري الانتخابات المقبلة على أساسه. وكذلك على عاتق رئيس الحكومة الذي سيكون عليه قبول التحدّي لإنجاح حكومته في مهمتها. علماً أن ولاية مجلس النواب الحالي تنتهي في 20 يونيو 2017، ويجب إجراء الانتخابات النيابية قبل شهرين من هذا الموعد. ويقفل باب الترشيح قبل ثلاثة أشهر من انتهاء ولاية المجلس. كما أن هيئة الإشراف على الانتخابات يجب أن تؤلّف قبل 6 أشهر من انتهاء ولاية المجلس، أي مطلع السنة الجديدة.
تفاهمات
وفي قانون الانتخاب، حسبما تقول أوساط سياسية، ستكون هناك شروحات وتفاهمات تنتهي إلى قانون أكبر من «قانون الستّين» وأصغر من النسبية الشاملة، بمعنى أن كفّة القانون المختلط بين النسبية والأكثرية هي المرجّحة. والملاحظ في هذا السياق أنّ منطق اعتماد النسبية في القانون الانتخابي الجديد بات غالباً على ما عداه. أمّا حجم هذه النسبية، كلّية أو جزئية، فهو أمر يحدّده الفرقاء في متن القانون. كذلك الأمر بالنسبة إلى الوقت المتاح من الآن حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة، فالتوجّه العام نحو تأخير تقنيّ لهذا الموعد ينصّ عليه القانون الجديد بما لا يزيد عن 90 يوماً على أبعد تقدير. كما يبدو أن مادة النقاش الأساسية تنحصر حالياً في «مختلط» الرئيس نبيه برّي (64 أكثري ـ 64 نسبي) والمشروع المتوافق عليه بين برّي والتيار الوطني الحرّ (التأهيل الأكثري في القضاء والانتخاب النسبي في المحافظة).
حرص
يحرص رئيس المجلس النيابي نبيه برّي على الضرورة الملحّة للوصول إلى قانون انتخابي في أسرع وقت ممكن، خصوصاً أنّ المهل تداهم الجميع، وكذلك التأكيد على أنّ الطموح الأساس بالنسبة إليه يبقى الوصول في لحظة معينة إلى اعتماد النسبية الشاملة باعتبارها «الخيار الأفضل للبنان». إلا أنّ الرئيس برّي لا يتمسّك بهذا الطموح الذي إذا ما تعذّر بلوغه فلا بأس في «أن نتدرّج في صعود السلم. وبالتالي، المباشرة في تطبيق النسبية جزئياً على جرعات».
ويفترض أن يكون «قانون الستّين» قد أصبح من الماضي، وللجميع من دون استثناء مصلحة في الخلاص منه. علماً أنّ العودة إليه تعيد لبنان أولاً 67 سنة إلى الوراء، وتُرخي تداعيات خطيرة على كل البلد، وفي المقدّمة على العهد وعلى كل الطبقة السياسية.
