يمكن اعتبار 2016 عام المعارك والحرب المتواصلة في العراق، ويرى مراقبون أن معركة الرمادي في أواخر 2015 ومطلع 2016 مثلت التحدي الأكبر سياسياً وعسكرياً، إضافة إلى معركة الموصل، التي يبدو أنها لاتزال في بدايتها.
وتأتي أهمية معركة الرمادي، مركز محافظة الأنبار، التي تبلغ مساحتها ثلث مساحة الأراضي العراقية، من رمزيتها السنّية، وكونها لم تسقط بيد تنظيم داعش في غزو يونيو 2014، وبقيت القوة العسكرية «المتخندقة» في المجمع الحكومي وسط المدينة محافظة على مواقعها المحاصرة فيها، إلا أن انسحاب تلك القوة المفاجئ في مايو 2015 وبعد معارك في أنحاء متعددة من الرمادي شكل «نكسة سياسية» لحكومة العبادي، بعد أن كان المعنيون بالشأن العراقي يحملون رئيس الوزراء السابق وحكومته وقادته العسكريين، مسؤولية هزيمة يونيو 2014، وإذا بهم يفاجأون بهزيمة أخرى في الرمادي.
استبعاد المالكي
وكان لابد من «رد الاعتبار»، وهو نقطة حاسمة، راهنت عليها حكومة العبادي، إضافة إلى الإدارة الأميركية، التي تمتلك نفوذاً في المحافظة، وسبق أن قامت بتشكيل حركات «الصحوة» واستمالة العديد من شيوخ العشائر الذين نكّلت بهم حكومة المالكي في ما بعد.
من هنا.. كان الشرط الأهم للمشاركة الأميركية، في استعادة الرمادي، هو استبعاد نفوذ المالكي وحشده الشعبي الموالي لإيران، عن المعارك، بسبب سوء السمعة، والمعاداة الطائفية للسكان المحليين، الذين لا يمكن إحراز أي تقدم من دون كسب ودهم، أو تحييدهم على الأقل.
وبحسب معهد الدراسات الدولية والإقليمية، التابع للجامعة الأميركية في العراق، فإنّ معركة استعادة القوات العراقية السيطرة على قلب مدينة الرمادي، بدت إثباتاً لصحة استراتيجية التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من أجل القضاء على الإرهابيين، بيد أن الانتصار جاء بتكلفة باهظة، وربما لا تجدي في تحرير مناطق أخرى من العراق.
استبعاد «الحشد»
وشنّت قوات الأمن العراقية معركة الرمادي، من دون البيشمركة الكردية أو الحشد الشيعي، حيث تقدمت وحدات مكافحة الإرهاب تحت غطاء ضربات جوية نفذتها قوات التحالف، ورفعت العلم الوطني فوق مجمع الحكومة الرئيسي في عاصمة المحافظة في 30/12/2015، وأكملت استعادة المدينة في بدايات 2016.
ويوضح قادة عسكريون، أن الضربات الجوية المكثفة والمركزة من قبل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة قتلت مسلحي «داعش» ودمرت سياراتهم، وفجرت سيارات مفخّخة قبل انتشار القوات العراقية، وهو ما مكّن تلك قوات من التقدم في المدينة.
فعالية الغطاء الجوي
ويقول أحد محللي معهد الدراسات الدولية والإقليمية في العراق إنّ «هذه المعركة تظهر أن العراقيين مستعدون للقتال، وأن الدعوات المطالبة بقوات برية أميركية ليست الاستراتيجية الأمثل للمضي قدماً»، مشيراً إلى أن «مزيج الغطاء الجوي والمساندة المخابراتية، ثم دخول القوات البرية العراقية، أثبت فعالية كبيرة جداً».
وبحسب الناطق الرسمي للتحالف الدولي ضد «داعش» الكولونيل ستيف وارن، الذي يقيم في بغداد، فإنّ الشهور التي سبقت اقتحام مركز الرمادي شهدت أكثر من 600 غارة جوية لطائرات التحالف أصابت زهاء 2500 هدف مختلف.
ويشير وارن إلى أن عدد مقاتلي تنظيم داعش الذين كانوا في الرمادي بلغ في ذروته نحو 1000 مسلح، بقي منهم خلال الاقتحام ما يتراوح بين 150 و250 مسلحاً.
تدمير الرمادي
ورغم أن الضربات الجوية أسهمت في نهاية المطاف في طرد المسلحين، لكنها سحقت أجزاء كبيرة من المدينة، وحولتها إلى ركام.
وبحسب مجلس محافظة الأنبار، فإنّ المدينة تعاني من دمار كبير، وأن أكثر من نصف مباني المدينة قد تعرض للهدم، بما في ذلك مكاتب حكومية وأسواق ومنازل، بينما فر معظم السكان في بداية العام، وقد يستغرق الأمر شهوراً وربما فترة أطول كي يتمكنوا من العودة.
وحتى قبل دخول «داعش»، كانت الرمادي تعاني من آثار ثمانية أعوام من التدخل الأميركي في العراق، إذ خاضت القوات الأميركية أعنف معاركها وأكثرها دموية في الرمادي، والفلوجة القريبة منها، التي كانت أولى المدن التي سقطت في أيدي مجلس ثوار العشائر، منذ شنت قوات حكومة المالكي حملاتها العسكرية لقمع الحركات الاحتجاجية السلمية وساحات الاعتصام الجماهيرية، ثم دخلها داعش، بشكل التفافي، بعد شهور من سقوط الموصل في يونيو 2014.
رفع المعنويات
ورغم ذلك، أدت استعادة الرمادي إلى رفع معنويات القوات العراقية، بيد أن التكلفة الباهظة لتحرير الرمادي تثير التساؤلات بشأن ما إذا كان من الممكن استخدام أساليب مماثلة في تحرير الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية.
معركة الفلوجة
وقد تأخرت معركة الفلوجة، جراء إصرار الميليشيات التابعة لإيران على المشاركة فيها، وتكرار ما فعلته في تكريت وجرف الصخر وبيجي، والعديد من مدن ديالى وغيرها، وبدء المعارك فيها لقربها من العاصمة بغداد.
وتسبب هذا الإصرار بإرباك عسكري، حيث حشد «الحشد» قواته قرب الفلوجة، من دون غطاء جوي، وفوجئت هذه القوات بضربة قاسية من داعش، ذهب ضحيتها العديد من قادة الحشد الشعبي وعناصره، مما جعلها تضمر الانتقام من الفلوجيين، بعد تسللها خلف قوات الشرطة الاتحادية.
وفي 26 يونيو 2016 أعلن الجيش العراقي، استعادته مدينة الفلوجة بعد سيطرته على آخر معقل لتنظيم داعش في المدينة «حي الجولان».
ممرات للمسلحين
بدورها، قدمت قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن، دعماً جوياً للقوات العراقية بوتيرة أقل مما كانت عليها قبل شهور خلال عملية الرمادي، ولكن مصادر «عشائرية» أكدت أن «الحكومة تغاضت عن ممرات للمسلحين حتى يخرجوا باتجاه منطقة الأزركية التي يسيطرون عليها، تجنباً للخسائر التي منيت بها القوات العراقية».
