القرار الأخير الذي مرّره مجلس الأمن الدولي ضد الاستيطان الأسبوع الماضي، أخذ مكانه في رفوف الأمم المتحدة إلى جانب عشرات القرارات التي يكسوها الغبار هناك على الرفوف.
بالمعنى السياسي والدبلوماسي، ليس سيئاً أن يصدر قرار عن أي محفل دولي ينتصر لقضية عادلة، لكن ينبغي في هذه الحالة ألا نبالغ في قيمة هذا القرار، وأن نبحث عن إجابة لسؤال ماذا بعد؟ البعض نسي التفكير في مدى قابلية القرار لأن يتحوّل إلى سياسة ويترجم إلى خطوات توقف غول الاستيطان الإسرائيلي، وراح هذا البعض يبتهج بالموقف الأميركي الذي سمح بتمرير القرار.
ينبغي هنا التذكير أن الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي اتهمته إسرائيل بإعطاء الضوء الأخضر لتمرير القرار الأخير، هو نفسه الذي أوعز بالتصويت بـ«فيتو» على قرار مشابهٍ في عام 2011، يدين المستوطنات الإسرائيلية بعد أن رفض الفلسطينيون تسوية عرضتها واشنطن آنذاك. ويجب أن نتذكّر أن أوباما هو صاحب أكبر قرار دعم تسليحي لإسرائيل بصفقة تبلغ 38 مليار دولار.
أوباما يودّع
صحيح أن سماح أميركا بتمرير القرار يعتبر موقفاً نادراً من جانب واشنطن، التي عوّدتنا على الدفاع عن إسرائيل في مثل هذه المناسبات، وصحيح أيضاً أن هذا القرار يعتبر خطوة إيجابية لا يجب مساواتها بالصفر، لكن في الوقت ذاته يجب عدم المبالغة في الابتهاج بها، ولا بالموقف الأميركي الذي له أسبابه.
من الواضح أن علاقة الرئيس الأميركي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أخيراً انتابها الكثير من التوتّر بسبب الأساليب الفجّة التي يتعامل بها نتانياهو حتى مع الحليف والداعم الأميركي، ومن الواضح أيضاً أن أوباما يودّع البيت الأبيض حيث يعيش فيه أيامه الأخيرة ولا يريد أن ينهي الصفحة الأخيرة في تاريخه الرئاسي بلطخة عار.
لاسيما وأنه حاز جائزة نوبل للسلام، كما أن نص القرار بشأن الاستيطان متطابق مع الموقف الرسمي الأميركي والقرارات الدولية السابقة بشأن الاستيطان. ويجب كذلك ملاحظة أن أوباما يعلم لدرجة اليقين أن خليفته في الأبيض، دونالد ترامب، الأشد قرباً وتودداً لإسرائيل، وأنه بالتالي سيعوض إسرائيل عن كل ما تشعر أنه نقص من سلّة الدعم الأميركي.
قرارات سابقة
فمنذ نكبة فلسطين عام 1948، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي عشرات القرارات التي تدعم هذا الحق الفلسطيني أو ذاك، وتدين الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين وأملاكهم ومقدساتهم، وهناك قرارات تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة في فلسطين والدول العربية المحيطة، وثمة قرارات تدين الاستيطان وتدعو إلى وقفه وتفكيكه ومحاسبة «إسرائيل» عليه.
كل تلك القرارات تحمل الطابع الإلزامي، لكن إسرائيل كانت ترفض الالتزام بها، وترفع في وجه الأمم المتحدة بطاقة حمراء مليئة بالأوصاف والاتهامات، أقلّها وطأة الاتهام بالعداء لإسرائيل واللاسامية.
وفي ظل لامبالاة استمر نهب الأرض لصالح الاستيطان الذي لم يتوقف ولا ساعة واحدة. لذلك، ينبغي على الجميع أن يتغافل عن حقيقة أن إسرائيل تتحدى المجتمع الدولي وقراراته، وتدوس على هذه القرارات بأقدامها وجرافاتها.