تغرب شمس العام 2016 مُخلفة وراءها تطورات سياسية وعسكرية على صعيد الأزمة في سوريا، لم تسفر عن حلولٍ فاصلة يندمل بها الجرح السوري الذي يضيف بالدماء صفحات جديدة مليئة بالمعاناة في تاريخ السوريين، لكنها حملت ملامح انتصار النظام السوري في حلب وتدمير المدينة بالقصف والمعارك وتراجع المعارضة السورية خصوصاً مع انضمام أبرز داعميها، تركيا، إلى محور تقوده موسكو وطهران للحل السياسي بعيداً عن الدول الغربية.
على الصعيد السياسي، لم تفض الجهود الدولية المبذولة لأية نتائج عملية فاصلة تذكر، وصار الوضع عملياً من سيئ إلى أسوأ وسط غموض يلف مصير الحل السياسي في ضوء التطورات الراهنة. ورغم الزخم الذي شهده العام إلا أنه كان أشبه بجعجعة بلا طحن، وذلك رغم ما سبق العام من توقعات متفائلة بأن تتمثل فيه حلول جذرية تنهي سنوات المعاناة التي عاشها الشعب السوري.
شهد العام في شهره الثاني انعقاد مؤتمر المانحين في بريطانيا والذي جمّع أكثر من عشرة مليارات دولار لمساعدة اللاجئين السوريين، وشهد في شهر فبراير أيضاً اجتماع ميونخ بحثًا عن حلول جزئية للأزمة بمشاركة 17 دولة، وفشل في التوصل إلى اتفاق حول وقف فوري لإطلاق النار، وفي الشهر ذاته توافقت روسيا وأميركا على مبادرة بشأن وقف الأعمال القتالية باستثناء مقاتلي داعش والنصرة قبل تغيير الأخير اسمه ليصبح جبهة فتح الشام، لكن سريعًا ما انهار ذلك الاتفاق بسبب الخروقات المتكررة.
جنيف 3
وفي نهاية الشهر الثاني من العام، انطلقت مفاوضات غير مباشرة دعا إليها المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، ولم تفض تلك المفاوضات إلى نتائج حقيقية ملموسة، تلتها أيضاً عملية مفاوضات غير مباشرة بين النظام والمعارضة برعاية الأمم المتحدة في جنيف (جنيف 3) في الفترة من 14 وحتى 24 مارس، وتم استئنافها بعد ذلك في 13 أبريل، وهي مفاوضات لم تحرز تقدمًا ملموسًا حتى إن المعارضة أعلنت رسميًا في 18 أبريل تعليق مشاركتها فيها وقالت إن قرار التعليق جاء بسبب استمرار قصف المدنيين.
وفي شهر مايو انعقد اجتماع فيينا، وفي أكتوبر انعقد اجتماع لوزان في سويسرا والذي أخفق كذلك المشاركون فيه في التوصل إلى اتفاق حول استراتيجية عامة لإنهاء الأزمة السورية. بينما شهد شهر سبتمبر اتفاقًا أميركيا روسيا على إعادة عملية السلام في سوريا إلى مسارها، غير أن الضربات الروسية وتواصلها في سوريا قد كتبت شهادة وفاة ذلك الاتفاق قبل أن يُفعّل، ذلك في الوقت الذي استخدمت فيه روسيا حق النقض (الفيتو) لعرقلة قرار أمام مجلس الأمن خاصين بسوريا، حيث استخدمت حق النقض في أول أكتوبر ضد مشروع القرار الفرنسي الإسباني (كان يتعلق بوقف إطلاق النار في حلب).
وإلى جانب المؤتمرات والفعاليات الدولية، شهد العام ملامح سياسات متغيرة لبعض الدول إزاء الأزمة السورية، عبّرت عنها اتفاقيات وتقاربات بين بعض الدول من المرجح أن يكون لها تداعيات على مسار الأزمة وخريطة المواقف الدولية والتفاهمات الجارية حولها، من بينها التقارب التركي الروسي.
الأفق المغلق
ويرى المنسق العام لهيئة التنسيق الوطنية السورية حسن عبد العظيم أن الأفق السياسي صار مغلقًا بصورة كبيرة في الوقت الراهن، رابطًا ذلك الوضع بفترة الانتخابات الأميركية وما شهدته. كما شدد على أن المسار السياسي لن تتضح معالمه ومستقبله بصورة مباشرة إلا مع تولي الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة رسمياً في 20 يناير المقبل واتضاح معالم سياسته وطبيعة تحركاته فيما يتعلق بالأزمة السورية. وقال إن هناك محاولات من أجل «اللعب في الوقت الضائع» في الفترة الحالية تقوم بها روسيا في سياق الدعوة لإجراء مفاوضات سورية في كازاخستان، وكذا محاولات من جانب الاتحاد الأوربي، غير أنه رأى أن كل تلك المحاولات لن يكتب لها النجاح.
وأشار المعارض السوري في تصريح لـ«البيان» إلى أن المعارضة السورية مُحملة بمسؤوليات جسام من أجل تعزيز ودعم موقفها في المسار السياسي، وعليها أن توحد جهودها ومطالبها ودعم وفدها التفاوضي؛ بما يصب في صالح تنفيذ بيان «جينيف1» والقرارات الدولية ذات الصلة وعلى رأسها القرار 2254 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. مؤكدًا أن العام المقبل 2017 سوف يكون حافلًا بالتطورات على صعيد الأزمة السورية لاسيما مع تسلم ترامب الرئاسة.
تطورات ميدانية
على الصعيد العسكري، شهد العام 2016 العديد من المحطات العسكرية والميدانية الفاصلة والتي كان آخرها معركة حلب وما تثيره من تداعيات وسط ردود أفعال مستنكرة للأعمال الانتقامية ومعاناة المدنيين الذين تم تهجير من تبقى منهم في الجزء الشرقي من المدينة إلى ادلب. كما شهد العام تواصل التدخل الروسي المباشر، ومعارك فاصلة من بينها عملية درع الفرات التي أعلنت عنها تركيا في 24 أغسطس وهي عملية عسكرية ضد تنظيم داعش، وكذلك معركة الرقة التي تقوم بها قوات سوريا الديمقراطية لإقصاء تنظيم داعش من معقله الرئيسي في الرقة، إضافة إلى معركة حلب. ومن بين المحطات البارزة على الصعيد العسكري خلال العام أيضًا هو سيطرة داعش على تدمر مجددا في ديسمبر عقب أن كانت قوات النظام استردتها في مارس من العام ذاته من يد التنظيم. كما تم خلال العام الإعلان عن تشكيل «الفيلق الخامس» التابع للنظام السوري من المتطوعين.
ودبت خلافات واسعة بين كبرى الفصائل المعارضة، كما شهد عمليات اغتيال لعدد من قادة الفصائل المعارضة في درعا وإدلب وحمص. وكذا شهد العام أيضًا تصويتًا من قبل ثلثي المكتب التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية على إدانة استخدام النظام السوري للأسلحة المحظورة. كما تكرر القصف الإسرائيلي لمواقع تابعة لقوات النظام، ذلك في الوقت الذي زادت فيه الخسائر الإيرانية وخسائر حزب الله البشرية والمادية في سوريا، وتقول تقارير إن أكثر من 1200 جندي إيراني قتلوا منذ 2012 في سوريا من بينهم قيادات بارزة، وفقد حزب الله زهاء 1600 مقاتل في سوريا منذ بداية الأزمة. وشهد العام تفوقًا للنظام على عدد من المحاور مدعومًا بالتدخل الروسي وانحسارًا نسبيًا لداعش.
التدخل الروسي
ويقول المحلل السياسي السوري الخبير بالشؤون الروسية د. محمود الحمزة لـ«البيان» إن الحدث الأكبر في المشهد السوري بشكل عام هو التدخل العسكري الروسي في سوريا.. ركزت روسيا وجودها العسكري ببناء قاعدة عسكرية ضخمة في حميميم باللاذقية وكذلك توسيع قاعدة طرطوس ونشر منظومات صواريخ «اس-300» و«اس-400» وجلبت إلى الساحل السوري حاملة الطائرات الضخمة كوزنتسوف، وأحضرت غواصات تحمل رؤوس نووية، يعني روسيا اعتبرت معركة سوريا هي معركتها، وكأنها تريد أن تبعث رسائل للغرب بأن روسيا أصبحت دولة عظمى وأنها تفرض إرادتها في سوريا والمنطقة. غير أن الحمزة يعتقد بأن روسيا لم تكن لتتجرأ على التدخل العسكري الواسع في سوريا لولا ضوء أخضر أميركي وتفاهمات مشتركة بينهما.
ملاحقة مجرمي الحرب
أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 من الشهر الجاري تشكيل مجموعة عمل مهمتها جمع أدلة حول جرائم حرب في سوريا وهي الخطوة الأولى على طريق ملاحقة المسؤولين عن ذلك أمام القضاء.
وتبنت الجمعية العامة النص الذي تقدمت به ليشتنشتاين ويقضي بوضع آلية للتحقيق بأغلبية 105 أصوات مقابل 15 دولة صوتت ضده و52 امتنعت عن التصويت. وسيعمل فريق العمل بتنسيق وثيق مع لجنة تحقيق شكلتها الأمم المتحدة في 2011 وأحالت العديد من التقارير المفصلة بفظاعات مرتكبة منذ بداية النزاع في سوريا الذي أوقع أكثر من 310 آلاف قتيل.
وجمعت هيئات أخرى وثائق ولوائح شهود وفيديوهات يمكن أن تستخدم في قضايا ضد المسؤولين عن الجرائم.
