رعب وموت ودمار حروب واتهامات.. خلافات ومناكفات غطت على أيام العام 2016، حتى المنجمون الذين يتنبؤون عادة بمجريات الأحداث في العالم، عندما وصلوا الى ليبيا كانت رؤاهم فضفاضة وعمومية، فهذا البلد الممزق استعصت قراءة المستقبل فيه منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي ودخوله في حالة الفوضى الماثلة، بدأ العام بتفاؤل حذر مع التقدم الذي حدث في تنفيذ اتفاق الصخيرات المغربية وإعلانات المبعوث الدولي المتكررة بقرب تشكيل حكومة الوفاق الوطني خاصة أن 2015 ودع طرابلس وهي تحت حكم جماعات الإسلام السياسي المسنودة بميليشيات عالية التسليح ومدعومة من أطراف أفليميه، وما ان انتهى شهر يناير وحل فبراير حتى ارتفعت درجات التفاؤل بوصول بعض أعضاء المجلس الرئاسي الى طرابلس مبشرين بقرب وصول حكومة الوفاق الوطني لتباشر عملها من العاصمة.

وعلى وقع الغارة الأميركية في مدينة صبراتة والتي أودت بحياة 38 شخصاً على الأقل بينهم القيادي في تنظيم «داعش» نور الدين شوشان، أحد كبار قادة التنظيم العسكريين، ويشتبه في ضلوعه بهجمات تعرضت لها تونس، أعلن في المغرب عن تشكيل حكومة الوفاق الوطني التي رأت النور منتصف فبراير وقال الناطق حينها باسم المجلس الرئاسي فتحي المجبري، إنه تم الاتفاق على تشكيل حكومة في ليبيا من 13 وزارة. وتشمل حكومة الوفاق الليبية الجديدة، التي أعلنت من مدينة الصخيرات قرب الرباط في المغرب، خمسة وزراء دولة، بينهم 3 سيدات. يذكر أن مجلس النواب كان قد رفض قبل عشرة أيام من هذا التاريخ تشكيلة سابقة لحكومة الوفاق شملت أكثر من 30 حقيبة.

معارك سياسية

لتبدأ سلسلة اجتماعات للمجلس النيابي الذي يقوده عقيلة صالح والمساند منذ أمد لحكومة عبد الله الثني انتهت أيضاً برفض التشكيلة الجديدة، ليأتي بعد ذلك بشهرين أي في مايو قائد الجيش الليبي الفريق خليفة حفتر ليساند رفض مجلس النواب للحكومة الجديدة التي أسندت رئاستها لرئيس المجلس الانتقالي فايز السراج معدداً أربعة أسباب لهذا الرفض مؤكداً عدم تعامله معها، بما يشير إلى عمق الخلافات التي تمزق البلاد بين سلطات قائمة في شرق البلاد ولها امتدادات في المنطقتين الغربية والجنوبية وأخرى تسيطر على العاصمة طرابلس والمناطق المجاورة وتحظى بدعم دولي. وأرجع حفتر في مقدمتها أن حكومة الوفاق الوطني غير شرعية، نظراً لعدم حصولها بعد على ثقة البرلمان، الجسم التشريعي الوحيد بحسب مخطط الانتقال السياسي الذي تضمنته وثيقة الصخيرات بين الفرقاء الليبيين.

وفيما استمرت حالة الشد والجذب بين حكومة الوفاق التي يقودها السراج ومجلس النواب برئاسة عقيلة صالح، وصل بحراً السراج و7 من أعضاء المجلس الرئاسي في الثلاثين من مارس إلى طرابلس قادمين من تونس التي كانت مقراً للحكومة الوليدة وتوجهوا الى قاعدة بوستة التي اعتمدت مقراً للمجلس الرئاسي، وكانت الميليشيات منعت قبل ذلك بأيام طائرة تقل السراج والأعضاء السبعة من الهبوط في مطار معيتيقة ليعودوا أدراجهم الى تونس ومن ثم يعيدون الكرة بحراً الأمر الذي نجح هذه المرة ولكنه رفع من درجة التوتر واقتربت طرابلس التي عاشت يومها ليلة طويلة خوفاً من صدام بين الميليشيات المتحكمة فيها، غير ان السراج بدأ عقب وصوله الى طرابلس في بسط سلطته تدريجياً ليبدأ بعد ذلك برنامجاً لتسلم مقرات الوزارات تباعاً حتى تمكن هو وأعضاء مجلسه في منتصف يوليو من الانتقال الى مقر رئاسة الوزراء وسط طرابلس وهي الخطوة الرمزية التي أكدت توطيد حكم السراج الذي وجد دعماً دولياً واسعاً حيث وافق الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات على مَنْ يعرقلون العملية السياسية في ليبيا، وشملت هذه العقوبات رئيسَ المؤتمر الوطني العام المـنتهية ولايته نوري بوسهمين، ورئيسَ وزراء الحكومة غير المعترف بها دولياً في طرابلس خليفة الغويل، ورئيسَ مجلس النواب عقيلة صالح.

وتشمل العقوبات المفروضة من الاتحاد الأوروبي حظر السفر، وتجميد الأصول المالية.

معارك عسكرية

وما أن تمكن السراج من حكم طرابلس حتى أعلن في الخامس من مايو إطلاق حملة عسكرية واسعة أطلق عليها مسمى البنيان المرصوص لتحرير مدينة سرت الواقعة كلياً تحت سيطرة تنظيم «داعش» وذلك لقطع الطريق أمام تحركات للجيش الليبي الذي يقوده الفريق خليفة حفتر التي كانت تشير الى عزمه مهاجمة سرت في اطار معركة تبادرها ضد التنظيمات المصنفة إرهابياً.

وكان حفتر أعطى الأوامر لغرفة عملياته لبدء معركة لتحرير سرت من «داعش» والإرهاب. وتوجهت آليات الجيش نحو سرت لمحاصرتها بحراً وبراً وجواً، مما أرغم ميليشيات «فجر ليبيا» على التراجع.

هجمات أميركية

وفي الأول من أغسطس أعلنت وزارة الدفاع الأميركية «بنتاغون» إن الجيش الأميركي نفذ ضربات جوية ضد تنظيم «داعش» في مدينة سرت بطلب من حكومة الوفاق الوطني.. وقبيل اكتمال عملية «البنيان المرصوص» التي خسرت القوات المشاركة فيها منذ بدئها أكثر من 700 قتيل و 3 آلاف جريح، وطرد تنظيم «داعش» من سرت اتجه غريم السراج ورجل ليبيا القوى خليفة حفتر بقواته ناحية القضاء على تنظيمات مصنفة إرهابية أخرى فأكمل معاركاً كان بدأها قبل اكثر من عام مطلقاً عملية «دم الشهيد» لتحرير الشرق الليبي بالكامل من سيطرة تنظيم «داعش» وجماعة أنصار الشريعة التابعة لتنظيم القاعدة وتحرير كامل مدينة بنغازي ثاني أكبر المدن الليبية وعاصمة الشرق، وكان الجيش الليبي بقيادة الفريق ركن خليفة حفتر قد بدأ في التصدي للجماعات الإرهابية بعملية الكرامة واستمرت المعارك على مدار أكثر من عام، لم يستطع الجيش حسم المعركة بشكل نهائي برغم سيطرته على أكثر من 70% من أحياء المدينة.

 وتقدم حفتر ليسيطر في الثاني عشر من سبتمبر على موانئ النفط التي كانت تحت سيطرة حرس المنشآت النفطية بزعامة إبراهيم الجضران وسط غضب مكبوت من حكومة السراج وحلفائها الغربيين.

سلاح أخير

بعد نجاح الجيش الليبي في التقدم في حربه على الإرهاب في بنغازي، وبالأخص بعد سيطرته أخيراً على كامل منطقة القوارشة، غربي المدينة، باسطاً سيطرته بذلك على 98% منها، والتي تعد أهم المناطق التي كانت تتحصن بها كتائب مجلس شورى ثوار بنغازي، وتنظيم أنصار الشريعة وعناصر داعش، تحركت آلة الإرهاب لتحصد أرواح الأبرياء، في محاولة يائسة لبث البلبلة والانتقام لهزائمها، عبر تنفيذ سلسلة تفجيرات انتحارية على مدار العام، كان آخرها في نوفمبر الماضي، مودياً بحياة عدد من الليبيين في مستشفى الجلاء.