معركة حلب شكّلت مفصلاً مهماً في تطور الأزمة السورية، فعليها راهن كل أطراف الصراع، من أجل رسم المسار، إن في شقّه العسكري أو السياسي. الجميع تحدّث عن أن معركة حلب ستحسم الصراع بنسبة كبيرة جداً. الأسبوع الماضي، شهد نهاية المعركة في المدينة، بعد دماء ودمار، وبعد إجلاء المحاصرين من مدنيين ومقاتلين من آخر أحياء المدينة. وكان لافتاً أن العملية تمت بموجب اتفاق روسي تركي إيراني، وغياب أميركي أوروبي عربي، أقلّه في هذه المرحلة.
تنقل وكالة فرانس برس، عن إبراهيم فريحات أستاذ تسوية النزاعات في معهد الدوحة للدراسات العليا، إن سقوط حلب يضعف موقف المعارضة السورية وحلفائها في المفاوضات مع النظام. ويرى أن على بعض الدول العربية الداعمة للمعارضة، أن تنخرط في مسار يقود نحو حل سياسي، بما أن الحل العسكري بات أقل احتمالاً. لكنه يضيف أن على هذه الدول دعم المعارضة بأسلحة إضافية، وبينها الصواريخ المضادة للطائرات المحمولة على الكتف «لتجنب تدهور إضافي في موازين القوى»، يصعّب الحل السياسي.
مِقْود الحل
لكن يبدو واضحاً أن موسكو وطهران وأنقرة، باتت تمسك بمقود التوجيه للمسار السوري. لكن الجديد في الأمر، هو انضمام تركيا للحلف الروسي الإيراني، وتناغمها مع مواقفه في المفاصل الرئيسة للأزمة، لدرجة أن وزير الدفاع التركي أشاد باستعادة قوات النظام لحلب، ووصفها بـ «العملية الناجحة»، وهذا خطاب جديد من تركيا، التي وقفت طوال فترات الأزمة في الضفة المقابلة للروس والإيرانيين. هذا يعني أن تداعيات المصالحة التركية الروسية، بعد تداعيات إسقاط الطائرة الروسية، تجاوزت حدود إنهاء ذيول الحادث، ويعني كذلك أن الدخول التركي العسكري في شمالي سوريا، لم يكن ليتم من دون غض نظر روسي، وهذا بالتأكيد له ثمنه.
التناغم بين موسكو وأنقرة وطهران، دفع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، للقول بعد اللقاء الثلاثي في موسكو الأسبوع الماضي، إن الأطراف الثلاثة مستعدة لوضع اتفاق بين دمشق والمعارضة، وضمان تنفيذه. ويرتفع منسوب الدلالات والرسائل المتدفقة على ألسنة الروس، حين يقول لافروف، إن العمل الذي تقوم به روسيا وإيران وتركيا حول تسوية الأزمة السورية، هو الأكثر فعالية لتحقيق هذا الهدف.
ويشار هنا إلى أن الأطراف الثلاثة دعت لاجتماع يعقد في أستانا، عاصمة كازخستان. لماذا أستانا؟، ربما لدغدغة مشاعر الأتراك، وما يحمله هذا الاسم من دلالات تاريخية بالنسبة لهم، وقد يكون في الاختيار مزيد من الجذب الروسي لكازخستان، الدولة الكبيرة والمهمة، في فترة بدأت فيها الحرب الباردة تصعد لمستويات من الحرارة، تفوق تلك التي سادت في الحقبة السوفييتية، وربما يكون السببان معاً.
تناغم أم احتكار؟
هل يشير هذا التناغم الثلاثي، وما سيتبعه من لقاء في أستانا، إلى احتكار الحل السياسي في سوريا، أو ما يشبه تقاسم الكعكة؟
من المبكّر الخروج باستنتاجات في هذا الصدد. لكن ثمّة مخاوف مشروعة لدى كثيرين. موسكو تقول إنه لا يجوز التخلي عن نتائج الجهود الروسية الأميركية لتسوية الأزمة السورية، وتدعو دولاً أخرى، بما فيها دول عربية، للانضمام إلى جهود الحل، وهو ما أكده لافروف، حين قال إن مسار أستانا رديفاً، وليس بديلاً لمسار جنيف.
وفي الاتجاه نفسه، يقول الخبير السياسي الروسي من مركز دراسة الاستراتيجيات والتقنيات، أندريه فرولوف، إن إعلان موسكو هو مجرد بداية، ويجب انتظار نتائج الوثيقة التي يعكف على كتابتها خبراء من الدول الثلاث، نافياً أن تكون روسيا تسعى لفرض حل للأزمة، بعيداً عن الإرادة الدولية. ولا بد من التعريج على ما نقله موقع روسيا اليوم عن مندوب موسكو في الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، قبل بضعة أيام، حين قال إن «البيان (الثلاثي)، يتضمن دعوة الدول الأخرى، التي تتمتع بالنفوذ على الأرض، للانضمام إلى جهود الحل»، مشدداً على «أهمية اتخاذ السعودية لموقف مشابه، وإطلاقها العمل في هذا الاتجاه»، الأمر الذي اعتبره مراقبون، دعوة للرياض للانضمام إلى اجتماع أستانة.
مرجعيات دولية
لكن الكاتب والباحث السياسي التركي، محمد زاهد غل، يرى أن التوصل لتسوية نهائية للصراع في سوريا، ليس أمراً تملكه موسكو أو أنقرة، بل هناك قرارات ومرجعيات دولية. ويعتبر أن تصريحات لافروف، تؤكد أن لا اتفاق حتى الآن بين الدول الثلاث، بل مجرد رؤى مشتركة، وأن تركيا لم تسلّم ببقاء بشار الأسد.
ويؤكد الكاتب الصحافي السوري، أحمد كامل، أن المعارضة السورية تنظر لإعلان موسكو بقلق شديد، ويضيف أنه لا يعقل أن تسلم المعارضة أمرها إلى ثلاثة أطراف، اثنان منها غارقان في الدم السوري، في إشارة إلى روسيا وإيران.
مركز ستراتفور الأميركي للدراسات الاستراتيجية والأمنية، حاول تفسير التقارب الكبير الذي طرأ على الموقف التركي باتجاه روسيا، وأشار في تقرير له، إلى إن لجوء موسكو وأنقرة إلى الدبلوماسية، في أعقاب اغتيال السفير الروسي في تركيا، أندري كارلوف، كان مهماً لحماية تقاربهما الغض وفوائده الاقتصادية. ويرى أن إيران تخوض معركة وجودية بالنسبة لها في سوريا، وستبقى متورطة في القتال، حتى يتم ضمان الأمن السياسي للنظام.
دور إيران
حول الدور الإيراني، وفيما إذا كان يعبّر عن مزيد من التمدّد في المنطقة، يقول أرام نرغيزيان، المحلل في مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن، إنه «بعد كل ما يقال عن تحسن مكانة إيران، فإن هذا لا يغير واقع أن إيران هي قوة مذهبية صغيرة وسط غالبية. ويضيف أن إيران لا يمكنها أن تعتمد دائماً على روسيا».
ويقول إن علاقة إيران مع القوى الكبرى، مثل روسيا والصين، ليست ثابتة، فهذه الدول لديها أولوياتها الخاصة. سوريا هي مجرد جزء صغير من المنطقة. وعندما يتعلق الأمر بأمور مثل الطاقة، ستكون روسيا سعيدة بإقامة شراكات مع دول أخرى في منطقة الخليج.
بانتظار ترامب
تعاون تركيا مع روسيا، يعزز موقع موسكو كلاعب رئيس لا يمكن تجاوزه في سوريا، وهو دور مرشح لأن يتعزز في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي ينظر إليه على أنه يحمل توجهات سياسية قريبة من روسيا. ويمكن أن يحظى هذا التوجّه برافد آخر في حال وصل فرانسوا فيون إلى الرئاسة في فرنسا، وهو أمر مرجّح بنسبة هائلة.
ويرى المحلل والخبير في شؤون الخليج، نيل بارتريك، أن الدول العربية ودولاً أخرى، تدرك أنه في ظل ولاية ترامب، سيتسارع التقارب الغربي تجاه الأسد. ويشير إلى أن قناعة تشكلت على نطاق دولي واسع، بأن روسيا هي اللاعب الرئيس في سوريا، وأن واشنطن قد تحاول التوصل إلى اتفاق مع موسكو حيال المرحلة المقبلة.
هذا المشهد المتشابك والمتداخل، سيبقى مفتوحاً على كثير من السيناريوهات، بانتظار جلاء الكثير من المواقف، لكن يبقى أن نشير إلى أن استعادة حلب، عززت مواقع النظام، لكنها لم تنهِ الحرب.
استبعاد
لا تنتظر موسكو مشاركة «الهيئة العليا للمفاوضات» السورية المعارضة، في كازاخستان المقبل. هذا ما أكده نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف الخميس الماضي. كما نقلت وكالة إنتر فاكس الروسية، عن نائب وزير الخارجية غينادي غاتيلوف، إن «وفد الحكومة وممثلي المعارضة، سيشاركون في الاجتماع في أستانة.. وفد المعارضة، هو على الأرجح سيمثل القوى الموجودة على الأرض في سوريا، أما الهيئة العليا، فإنها معارضة خارجية».

