أثار الاجتماع الثلاثي الذي عقدته كل من روسيا وتركيا وإيران بشأن سوريا لغطًا واسعًا، لاسيما مع غياب الأطراف العربية الفاعلة وأيضًا الولايات المتحدة ودول كبرى وحتى الأطراف السورية نفسها عن ذلك الاجتماع الذي يتعلّق بمصير سوريا.
ووفق محللين، أرادت الدول الثلاث –بما لديها من مطامع ومصالح خاصة- تقاسم «الغنيمة السورية» في اجتماعٍ لاحقته الكثير من علامات الاستفهام، بينما السوريون والعرب خارج المعادلة.
يقول المعارض السوري د.عماد الدين الخطيب في تصريحات لـ «البيان»: إن الدول الثلاث هي المعنية بسوريا وما يجري فيها «كل منها حسب مصلحته»؛ ولذلك كان هناك غياب الدول العربية ولاسيما السعودية وقطر. ويرى أن الأمر ليس تقاسم غنيمة بقدر كونه مصالح، فتركيا تريد أمنها القومي ولن تكون بمنأى عن أي تقسيم في سوريا في ظل تخلي حلف الناتو عنها، وروسيا لها مصالح اقتصادية وعسكرية،
وإيران تسعى للتمدد من خلال النظام السوري.
الموقف الروسي
ويرى مندوب مصر السابق في الأمم المتحدة جلال الرشيدي في تصريح لـ «البيان» أن «اجتماع موسكو» الثلاثي أكد الرسالة التي تسعى روسيا لتأكيدها وهي سيطرتها على القرار في سوريا، وترسل موسكو بذلك رسائل متعددة للغرب، لافتاً إلى استخدام روسيا حق النقض «الفيتو» مرات عدة لعرقلة قرارات بشأن سوريا في مجلس الأمن، في ظل غياب آليات قوية لمواجهة الموقف الروسي الذي لم يستطع أحد مواجهته حتى الدول الكبرى في مجلس الأمن. وتعتقد موسكو بأن حماية نظام الأسد هو حماية لمصالحها في سوريا والمنطقة، إذ تسعى للحفاظ على قواعدها العسكرية في طرطوس واللاذقية.
ويوضح عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد حسن في تصريحات لـ «البيان» أن موسكو لم ترد دعوة أي من الأطراف الأخرى –خصوصًا العربية- إلى ذلك الاجتماع، خشية أن يتم تعطيل نتائجه من خلال وضع شروط تتعلق بمصير الأسد.
مطامع تركية وإيرانية
أما تركيا، فلم تنس مطامعها القديمة الجديدة في الشمال السوري، خاصة مع مخاوفها من فكرة إقامة كيان كردي في الشمال. ويرى خبير العلاقات الدولية د.سعيد اللاوندي أن المطامع التركية في سوريا ليست وليدة اللحظة، بل إنها مطامع قديمة وشهد التاريخ العديد من الوقائع المُعبرة عنها، من بينها سيطرة تركيا على لواء إسكندرون (يعتبر في سوريا المحافظة الخامسة عشرة، ويقع تحت سيطرة تركيا منذ العام 1939)، وكذا أزمة المياه الخاصة بنهري دجلة والفرات (ينبعان من تركيا) والتي ظهرت بقوة في الخمسينيات.
ويشير في تصريحات لـ «البيان» إلى أن المطامع التركية في سوريا لم تنته بالسيطرة على لواء إسكندرون، بل تواصلت، ولم تنس تركيا مصالحها في الشمال السوري؛ حيث تخشى قيام كيان كردي ومن ثم تبزغ مطامعها في الوقت الراهن في الشمال، فيما يأتي ذلك اتصالًا بالرغبة التركية في استعادة «الإمبراطورية العثمانية»، وفي سبيل ذلك تريد تركيا تقاسم الغنائم. وفق تصريحاته.
وفيما تنفذ إيران أجندتها التوسعية المذهبية، لا تخفى مصالحها في سوريا، ولقد وجدت ضالتها في النظام السوري الذي ما كان يثبت أقدامه –وفق مراقبين- لولا دعم إيران وحزب الله وأخيرًا التدخل الروسي. ويقول المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية اللواء هشام الحلبي في تصريحات لـ «البيان» إن سوريا تقع في المجال الحيوي للمصالح الإيرانية، ومن ثمّ فإن إيران تحرص على دعم ومساندة النظام، انطلاقًا من أسباب مذهبية وكذا أسباب سياسية انطلاقًا مما يربطها بنظام الأسد من مصالح.
الغياب العربي
وبشأن غياب التمثيل العربي عن اجتماع موسكو الأخير، يقول «باعتقادي أن كلًا من إيران وتركيا يمانعان مشاركة دول عربية بعينها في الاجتماعات الخاصة بالملف السوري، نظرًا لأن تركيا على خلاف مع بعض الدول العربية مثل مصر، وكذا إيران وخلافاتها العميقة مع دول عربية وعدائها لتلك الدول»، مشددًا على أن مصالح الدول الثلاث اجتمعت – خلال اجتماع موسكو- على أولوية محاربة الإرهاب نظرًا لما يشهده العالم من تنامي الظاهرة.
وتعليقًا على الغياب العربي عن اجتماع موسكو، يقول الناطق الرسمي باسم الأمين العام لجامعة الدول العربية الوزير المفوض محمود عفيفي لـ «البيان» إن ما شهدته موسكو كان اجتماعًا وليس مؤتمرًا، وللدولة المنظمة له دعوة من تشاء لحضوره، مؤكدًا على موقف الجامعة العربية فيما يتعلق بالأزمة السورية، وما عبّر عنه القرار الصادر مؤخرًا عن مجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية، فضلًا عن بيانات الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط.
لغة المصالح
تقول المعارضة السورية نغم الغادري لـ «البيان» إن كل الدول التي تتعاطى مع الأزمة السورية تنطلق من أساس مصالحها الذاتية فقط، وترهن مصير النظام والشعب السوري بتلك المصالح، مردفة: «لكن من حق السوريين أن لا يتم التلاعب بهم وبمستقبلهم». ذلك في الوقت الذي رأت أن إصرار روسيا على موقفها لا يجدي معه نفعًا الذهاب إلى مفاوضات جديدة.
