شكل العام 2016 نقطة تحول كبرى في مسار الحرب على تنظيم داعش في العالم، بعد مرحلة تمدد مرعبة بدأت في يونيو 2014، حين سيطر التنظيم على مدينة الموصل ومساحات واسعة من سوريا والعراق، تضمنت محافظات كاملة، حيث ملأ التنظيم الإدارات المدنية السابقة بعناصره وفق نظام جديد شبه متكامل، وتحكم بملايين السكان وكاد يتسبب بانهيار الدولة العراقية في صيف 2014 حين اقترب التنظيم من بغداد منطلقاً من الفلوجة ومناطق جنوب العاصمة باتجاه بغداد.

في العام 2016 بدأ التمدد المباغت والسريع للتنظيم بالانحسار بشكل يتخطى الهزائم الصغيرة، فكان عام المعارك الكبرى لرسم نهاية فعلية لهذا التنظيم على الأرض، ليس فقط في العراق وسوريا، حيث الثقل الأساسي له، بل في ليبيا أيضاً التي كاد داعش أن ينجح في جعل مدينة سرت الليبية قاعدة لعملياته في أوروبا بعد أن سيطر على معقل الزعيم الليبي السابق معمر القذافي مطلع عام 2015. لتكون البداية الفعلية لخروج التنظيم من المدن وعودته إلى البوادي والصحارى في سوريا والعراق وليبيا. ورغم ذلك سيبقى تهديده قائماً على شكل عمليات فردية ضد أهداف مدنية في الدول الأوروبية.

ثمار الدعم الأميركي

تداخلت العديد من العوامل التي ساهمت في تسريع وتيرة إلحاق الهزائم بتنظيم داعش، من أبرزها ظهور نتائج الاستراتيجية الأميركية البطيئة في تدريب قوات محلية من أجل خوض المعركة بدلاً من إنزال جنودها مباشرة على الأرض. وكان هذا العمل ذا تأثير متعاكس، فهو من ناحية سمح بتمدد التنظيم نتيجة عدم قدرة القوات المحلية على المواجهة.

وشمل برنامج التدريب الأميركي تأهيل قوات عراقية باتت رأس حربة القتال ضد التنظيم في الفلوجة والموصل، ومن أبرزها قوات مكافحة الإرهاب العراقية.

كما وقعت الولايات المتحدة ورقة تفاهم مع إقليم كردستان العراق يقضي بتدريب وتمويل عمليات البيشمركة ضد التنظيم من أجل تحرير الموصل، وكانت عمليات التدريب قد بدأت بالفعل منذ تعرض إقليم كردستان لتهديد داعش في أغسطس 2014، حين بات على مشارف أربيل واجتاح معظم المناطق التي كانت تعرف بـ«المتنازع عليها»، ومن بينها منطقة سنجار.

وفي سوريا، وجدت واشنطن في وحدات حماية الشعب الكردية ضالتها لتكون رأس الحربة ضد التنظيم في الأراضي التي يسيطر عليها الكرد شمال سوريا أو ما اصطلح على تسمته لدى الكرد بـ(روج آفا)، ولاحقاً تم تشكيل قوات سوريا الديمقراطية التي تعد تحالفاً يضم فصائل كردية في غالبيتها، إضافة إلى قوى محلية عربية تضم مقاتلين من أبناء المنطقة.

ورغم الاعتراض التركي الشديد على الدعم الأميركي للقوات الكردية، بقيت واشنطن تنتهج سياسة التوازن الحذر من دون أن تفقد تعاون القوات الكردية الأكثر كفاءة في الميدان وفق تأكيدات مسؤولين عسكريين أميركيين.

ولعب دخول روسيا المباشر على خط الصراع في سوريا دوراً في تسريع وتيرة الجهود الأميركية ضد داعش بهدف كسب الأسبقية في عمليات ضرب التنظيم وعدم ترك هذا الملف لروسيا التي لها، مثلها في ذلك مثل أميركا، أهداف أوسع بكثير من القضاء على الإرهاب.

«انتقاء الأفضل»

تسريع وتيرة الهجوم على داعش في عام 2016 ساهم في الاختيار النهائي للقوى المقاتلة من جانب الولايات المتحدة، فمع مطلع العام 2015 كانت تتنافس العديد من القوى المسلحة للقيام بدور «الكتيبة الاقتحامية» في المعارك.

في سوريا استقر الاختيار على «قوات سوريا الديمقراطية» التي باتت عنوان الانتصارات في عام 2016 ليتراجع اسم «وحدات حماية الشعب» التي باتت أحد مكونات «سوريا الديمقراطية» وأكبر تشكيلاتها، لتحقق بذلك هدفاً حيوياً كان مطلباً لواشنطن، وهو تنويع التكوين البشري للمقاتلين بحيث يضم عرباً وتركماناً من أبناء المنطقة.

سبق هذا الاختيار الاستراتيجي إيقاف واشنطن برنامج التدريب الخاص بالمعارضة السورية بعد فشله في تحقيق أي نتائج. وسيترتب على هذا الاختيار نتائج بعيدة المدى في تكريس الأكراد نفوذهم في شمال سوريا ومحاولة طرح النظام الفيدرالي كأمر واقع.

في العراق، وقع الاختيار على إعادة تأهيل القوات العراقية النظامية وقوات البيشمركة الكردية، واستبعاد التشكيلات غير النظامية، وشمل الاستبعاد كلاً من ميليشيات الحشد الشعبي التي تتحكم بجزء واسع من جبهات المعارك ضد داعش، وأيضاً استبعاد القوى السنية التي لا تحظى بموافقة بغداد، ومنها على سبيل المثال قوات عشائرية في الأنبار على عداء مع الحكومة المركزية وأيضاً «حراس نينوى» التي تتبع المحافظ السابق للموصل أثيل النجيفي.

ما يعني أن إعادة بناء العراق ما بعد داعش لن يختلف كثيراً عن العراق ما قبل داعش، حيث الهيمنة الرئيسية على البلاد للقوى الشيعية، فيما تبقى المناطق السنية بإدارات محلية ذات صلاحيات محدودة.

أما في ليبيا، فإن قوات موالية لحكومة الوفاق الوطنية ومقرها طرابلس، تقود المعارك في سرت وتحظى بدعم غربي حذر بسبب وجود قوات أخرى تابعة للواء المتقاعد خليفة حفتر في بنغازي. ولم تحظَ قوات «البنيان المرصوص» بعمليات تدريب مكثفة كتلك التي حظيت بها القوات العراقية أو الكردية.

ازدحام المحاربين

لم تقتصر المشاركة في المعارك ضد تنظيم داعش على القوى المدعومة أميركياً، بل انخرط فيها النظام السوري والجيش التركي وقوى ليبية متنوعة. كذلك شهدت المعارك انخراط قوى غير محلية، مثل ميليشيات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، ومقاتلون أفغان وعراقيون ضمن ميليشيات مسلحة في سوريا، إضافة إلى دعم جوي روسي كبير. وفي العراق أيضاً يشارك مستشارون ومقاتلون إيرانيون في القتال ضمن صفوف «الحشد الشعبي».

هذه القوى المتنوعة والمتناقضة توافقت، وتنافست أحياناً، على إنهاء تنظيم داعش، وقد لا تكون هناك أي مبالغة في القول إن هذا التقاطع بين الحلفاء والخصوم على إنهاء التنظيم العامل الأهم في القضاء على المعادلة الأولى التي أدت إلى ظهور التنظيم الإرهابي، وهي التناقضات الحادة إقليمياً ومحلياً، بما فتح المجال أمام فراغ أمني كبير قام التنظيم الإرهابي باستغلاله للتمدد من دون عوائق.

لكن، حين باتت قوى محددة تستثمر هزيمة داعش وتستخدم ذلك ضد خصومها، فإن هذه الهزيمة باتت مطلباً ملحاً لجميع اللاعبين بالتساوي من أجل منع هذا الاستثمار ذي الطابع الطائفي، وتطلب هذا التسارع إلى المعركة ضد التنظيم إلى تغيير في الأولويات، كما في الحالة التركية، حيث رفضت أنقرة مراراً مطلب هزيمة التنظيم قبل إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما تغير كلياً عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا، والتي كان من نتائجها على السياسة الخارجية تقليص أنقرة لأهدافها من إسقاط الأسد إلى حماية حدودها من التمدد الكردي، وتالياً منع الأكراد في سوريا من الاستئثار بمحاربة داعش وحدهم، فشكلت تركيا ما أطلقت عليه عملية «درع الفرات» التي حققت نتائج محدودة على الأرض، لكنها وسعت من دائرة القوى المحاربة لـ«داعش»، وكذلك الحال مع الحضور التركي في شمال العراق ضمن قاعدة بعشيقة، والتي لم تحقق أهدافها في المشاركة بالعمليات، ومن الصعوبة أن تحظى بدور رئيسي في الموصل على عكس نفوذها المتنامي شمال حلب.

ساحات صراع جديدة

هذا الازدحام في المحاربين على جبهة المعارك يهدد بفتح فصل جديد من الصراع عقب هزيمة التنظيم، وهو صراع بين المنتصرين. فمن جهة، يدور خلاف شديد بين القوات العراقية والبيشمركة الكردية بسبب تداخل مساحات السيطرة وملف المناطق المتنازع عليها التي باتت تحت سيطرة الأكراد بالكامل.

وهناك بوادر لصدام كردي - كردي، نتيجة سيطرة حزب العمال الكردستاني على مساحات واسعة من جبل سنجار والمناطق العراقية الكردية المحاذية للمناطق الكردية في سوريا، يضاف إلى ذلك التوتر بين أنصار الحزب الديمقراطي الكردستاني والعمال الكردستاني في مناطق «روج آفا» شمال سوريا.

كذلك الحال في بوادر الصراع بين قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية والفصائل السورية المدعومة من الجيش التركي في شمال حلب. وقد خاض الطرفان مواجهات عنيفة في أكتوبر الماضي في قرى صغيرة تمهيداً للتقدم باتجاه مدينة الباب الواقعة تحت سيطرة داعش.

ويثير النفوذ الكبير لـ«الحشد الشعبي» في العراق قلق العرب السنة والأكراد، خصوصاً أن «الحشد» يرابط في مواقع قريبة من مدن كبيرة محررة مثل الفلوجة والرمادي، حيث وجهت اتهامات للميليشيات بانتهاكات مروعة ضد المدنيين.

الأزمة الإنسانية

تسبب تنظيم داعش والحرب متعددة الجبهات ضده في كل من سوريا والعراق في خلق موجة نزوح ضخمة، حيث اضطر مئات الآلاف إلى ترك مناطقهم والتوجه إلى مناطق أكثر أمناً، فيما اختار عشرات الآلاف اللجوء إلى دول أخرى.

وتوقعت الأمم المتحدة أن تؤدي معركة الموصل إلى نزوح مليون شخص من المدينة ومحطيها، وفي الأسبوع الأخير من عام 2016، بلغ عدد النازحين مئة ألف شخص. وفي مناطق سورية اضطر عشرات الآلاف إلى مغادرة مناطقهم نتيجة القتال. وهكذا رغم أن عام 2016 كان عام الخسائر الكبيرة لتنظيم داعش، إلا أنه كان أيضاً عام النزوح الكبير للسكان.