بعد طول انتظار، بات في لبنان حكومة من ثلاثين وزيراً، أعلنت على غير انتظار، لتكسر الرتابة التي درج عليها تشكيل الحكومات، إذ صدرت مراسيمها بعد 45 يوماً من تكليف سعد الحريري، فيما استغرق تشكيل حكومات سابقة فترات راوحت بين 6 و11 شهراً، مع الأخذ في الاعتبار أنّ العمر الفعلي للحكومة الـ25 منذ بداية الاستقلال والـ74 في تاريخ الجمهورية اللبنانية، هو بضعة أشهر لن يزيد عن مايو المقبل موعد إجراء الانتخابات النيابية.
وتنتظر الحكومة الجديدة مهمّة كبرى تتمثّل في إقرار قانون انتخابي جديد وإجراء الاقتراع النيابي، إذ يمكن اعتبارها «حكومة انتخابات»، فيما تجمع مصادر سياسية على أنّ نجاح هذه الحكومة رهن إقرار قانون الانتخاب، ففي حال فشلت في هذا الرهان سيُدخل ذلك البلاد في دوامة انسداد الأفق السياسي، باعتبار أنّ كل المواقف تشير إلى استحالة إجراء الانتخابات على أساس قانون الستين النافذ، توازيها استحالة تمديد جديد لولاية مجلس النواب.
ولعل المسؤولية الكبرى في هذا الشأن وفق مراقبين، تقع على عاتق رئيس الجمهورية الذي تعهّد في خطاب القسَم بإقرار قانون انتخاب جديد تجري الانتخابات المقبلة على أساسه، فضلاً على أنّه تقع على عاتق رئيس الحكومة قبول التحدّي لإنجاح حكومته في مهمتها.
بدورها، كشفت مصادر مطلعة لـ«البيان» عن أنّ تشكيل الحكومة مرتبط باستحقاقين: الأوّل يتعلّق بإقرار موازنة عام 2017، لأنّه من غير الممكن الاستمرار مع العهد الجديد بالصرف وفق القاعدة الاثني عشرية.
والثاني مشروع قانون الانتخاب الذي ترتبط به الانتخابات النيابية المقرّرة في عام 2017، الذي دخل في سباق زمني جدّي على الموعد، لا سيّما أن الحكومة ستعدّ بيانها الوزاري المتوقع أن يشهد أسبوعاً أو أسبوعين على الأقلّ، وهو الأمر الذي يعني أن الحكومة الجديدة لو نالت الثقة، فإنّها لن تمارس مهامها قبل مطلع 2017.
انتظار ثقة
في السياق، تمّ الاتفاق على إرجاء عقد أول اجتماع لمجلس الوزراء والتقاط الصورة التذكارية إلى ما بعد عودة الوزير جبران باسيل من مصر بعد المشاركة في اجتماع وزراء الخارجية العرب والأوروبيين، وتقديم العزاء في للقاهرة في تفجير الكنيسة البطرسية، فيما ينتظر أن يعلن سعد الحريري عن تشكيل لجنة لصياغة البيان الوزاري ونيل الثقة في مجلس النواب.
وعلى عتبة دخول البلاد مدار عطلة عيدي الميلاد ورأس السنة، وبعد مساومات ومقايضات امتدت أسابيع، أعلنت مراسيم الحكومة الأولى في عهد الرئيس العماد ميشال عون، عقب لقاء ثلاثي عقد في قصر بعبدا.
وضم رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه برّي والرئيس سعد الحريري، تلاه اجتماع بين عون والحريري دعا بعده الأخير الجميع إلى التعاون من أجل لبنان، وحضّ اللبنانيين على الأمل والتفاؤل بقدرتهم وقدرة حكومتهم الجديدة على العمل والإنجاز من أجل غد أفضل.
وأوضح الحريري، بعد إعلان مراسيم تشكيل حكومة الوفاق الوطني، أنّ أولى مهماتها التوصّل بالتعاون مع المجلس النيابي إلى قانون جديد للانتخابات، يراعي النسبية وسلامة التمثيل، كما وعد بالسعي لإدراج كوتا للمرأة في المجلس النيابي ضمن القانون الانتخابي الجديد.
تركيبة حكومة
ويبيّن مسح سريع لتركيبة الحكومة أنّ الحصص الوازنة فيها توزّعت أساساً على القوى الآتية: رئيس الجمهورية وتكتل التغيير والإصلاح «9 وزراء»، تيار المستقبل «7 وزراء»، الثنائي الشيعي أي حركة أمل وحزب الله «5 وزراء»، والقوات اللبنانية «3 وزراء + الوزير ميشال فرعون».
واستناداً إلى الاصطفافات القديمة، نالت قوى 8 آذار 8 وزراء، يمكن أن يرتفعوا إلى 12 بالتحالف مع التيار الوطني الحرّ «3» وحزب الطاشناق «1»، فيما نال فريق 14 آذار 11 وزيراً، واللقاء الديمقراطي وزيرين.
وبغض النظر عن التوازنات في هذه الحكومة التي ارتضاها الجميع، باستثناء حزب الكتائب الذي رفض المشاركة فيها بصفة وزير دولة، فإنها تميّزت بحصّة الأسد التي نالها الرئيس الحريري، وكذلك بعدم نيل طرفي 8 و14 آذار الثلث المعطّل، فيما شكّلت حصّة رئيس الجمهورية مع حصّة التيار الوطني الحرّ «بيضة القبّان» بين الطرفين.
وتميّزت الحكومة عن سابقاتها بإدخال 15 وجهاً جديداً إلى نادي الوزراء، بعضهم من النوّاب، والبعض الآخر من الأسماء الجديدة كلياً، وبإحداث وزارات للمرة الأولى، يكمن التحدّي في تفعيلها، لشؤون: النازحين، حقوق الإنسان، مكافحة الفساد والتخطيط، فضلاً عن وزارة دولة لشؤون المرأة، بدت المفارقة فيها أنها أسندت لرجل وليس امرأة، فيما أسنِدت للدكتورة عناية عزّ الدين وزارة شؤون التنمية الإدارية، التي حرص نبيه برّي على تسميتها، وهي المرأة الوحيدة في الحكومة.
عون مرتاح لتشكيل الحكومة وواشنطن تهنئ
أبدى الرئيس اللبناني العماد ميشال عون ارتياحه لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، مشيراً إلى أنّ لا وقت لإضاعته، لاسيّما وأنّ اللبنانيين يتوقون إلى أن تعمل الحكومة بفعالية ترتقي الى مستوى توقعاتهم.
وأكّد الرئيس عون أنّه سيسهر كي يعمل مجلس الوزراء كفريق عمل منسجم ومتضامن، خصوصاً أنه يضم معظم الكتل والأحزاب السياسية في البلاد.
وأضاف الرئيس عون أمام زواره اليوم في قصر بعبدا: «صحيح أنّ مهمة الحكومة الحالية إجراء الانتخابات النيابية في مواعيدها، ولكن هذا لا يعني تراخيها في متابعة الأمور الحياتية الملحة وتسيير شؤون اللبنانيين، موضحاً أنّ الحكومة تمثل أوسع شريحة من الفرقاء».
على صعيد متصل، هنأت سفيرة الولايات المتحدة الأميركية في لبنان اليزابيث ريتشارد أمس، رئيس الحكومة سعد الحريري بتشكيل حكومة جديدة في لبنان، مؤكدّة دعم بلادها بناء مستقبل آمن ومستقر ومزدهر في لبنان. وقالت ريتشارد بحسب بيان صادر عن السفارة الأميركية في بيروت: «أريد أن أهنئ رئيس الوزراء سعد الحريري والتعبير عن ثنائي له على تشكيل حكومة، إننا نتطلع إلى العمل معه ومع حكومته».
وجاء في البيان: «يواجه الشعب اللبناني الكثير من التحديات، ولديه الآن حكومة قادرة على العمل لمعالجة هذه القضايا، الولايات المتحدة تعيد تأكيد التزامها تجاه الشعب اللبناني ومؤسساته وكذلك دعمها بناء مستقبل آمن ومستقر ومزدهر، لن يكون لبنان وحيداً في التعامل مع التحديات المقبلة».
وأضاف البيان: «الولايات المتحدة تشيد بالقيادة المخلصة لرئيس الوزراء تمام سلام خلال هذه الفترة العصيبة من الجمود السياسي، نحن نقدر التزامه بعلاقات أميركية - لبنانية قوية ونتطلع إلى مشورته الدائمة في السنوات المقبلة».
