تدافعت جماهير المهاجرين غير الشرعيين من لظى الأوطان إلى نعيم متمنى على شواطئ أوروبا، لا يفصل عنه سوى بحر ممتد ورحلة على قارب متهالك تستغرق أياماً وتكلّف أموالاً طائلة، كل هذا يهون على المهاجرين لمفارقة الحرب والفقر وبدء حياة جديدة.

دفعت حروب المنطقة المتعدّدة سواء في سوريا أو العراق أو أفغانستان والفقر المدقع وانغلاق أفق المستقبل في دول أخرى، مئات الآلاف على الفرار وتعريض حياتهم لخطر البحر وأهواله، أملاً في حياة تسر الصديق، وإلّا فموت يغيظ الأعداء في عرض البحر.

لقد أضحت الهجرة غير الشرعية هاجساً يؤرّق الدول سواء دول المنبع أو المصب، فالأولى يتهدّدها التغيير الكبير المنتظر في تركيبتها السكانية ومعاناتها على المدى الطويل من انسداد أفق التنمية، والثانية التي أثقل كاهل ميزانياتها بمئات الآلاف فضلاً عن مشكلات أمنية وخطر ديمغرافي وشيك.

لم تنجح الجهود التي بذلها الأوروبيون لوقف طوفان الهجرة عبر اتفاقات أبرموها مع الدول التي يتدفّق منها المهاجرون وعلى رأسها تركيا التي جعلت من الاتفاق ورقة تفاوض على انضمامها المتعثّر للاتحاد الأوروبي، فيما بدأ التكتّل الأوروبي في إغراء دول أفريقيا بمساعدات مقابل وقف جيوش المهاجرين.

عشرات في قارب صغير، تباينت الأوطان والفقر واحد، وحده الفرار خيارهم، كما يظنون، لا تراجع عن الوصول إلى القارة الحلم، ولو أن الموت فاغر فاه يتربّص، من كان محظوظاً وصل إلى الشاطئ الآخر، ومن عبس له الحظ، ابتلعته الأمواج ليستقر في القاع.

ويروي نجيب مظلوم أحد الناجين من رحلة موت استغرقت 11 يوماً في عرض البحر لـ «البيان»، الأهوال بصحبة عشرات المهاجرين سوريين ومصريين، الرحلة بدايتها من مصر، ومقصدها شواطئ إيطاليا، في قارب صغير غير قادر على تحمّل ما يحمل، و65 قاصراً لا تتعدى أعمارهم 12 عاماً في القارب المثقل.

يقول مظلوم: «واجهنا الموت في عرض البحر، مع نفاد المياه والطعام والتيه في البحر وفي قارب صغير مهترئ، يئن من ثقل ما حمّل، البعض منا شرب مياه البحر المالحة، لقد وقعنا فريسة سماسرة الهجرة غير الشرعية، الذين لا هم لهم سوى جمع المال دون الاكتراث بأرواحنا.

يبتكر سماسرة الموت أساليب عدة لخداع الشباب المهاجرين، وبث الطمأنينة وتذويب جدار عدم الثقة الماثلة، في ظل تكرار الحوادث الغرق أو النصب والسرقة في قلب البحر.

لقد اتخذ سمسار هذه الرحلة منها مناورة لطمأنة ضحاياه، إذ يتم وفق شهادة مظلوم، دفع المبلغ نظير الرحلة بعد وصول المهاجر، يترك المهاجر قيمة المبلغ لدى وسيط، عادة ما يكون تاجراً، ويعطيها الوسيط للسمسار عند وصول المهاجر واتصاله بالوسيط من إيطاليا لإبلاغه بوصوله فعلياً، وهكذا يضمن المهاجرون عدم تعرضهم للنصب، لكنهم لا يضمنون في الوقت ذاته سلامتهم ووصولهم أحياء.

ويكشف عن أنّ المبلغ الذي حصل عليه السمسار كان بين 1800 و2000 دولار، وأنّ سماسرة الموت يشكلون شبكة، يترأسها أحد كبار السماسرة المسؤولين عن الهجرة غير الشرعية، لقبه «الدكتور»، وأن تلك الشبكات منتشرة في عدد من المناطق، من بينها مناطق في مدينة السادس من أكتوبر ومنطقة العجمي بالإسكندرية، وتضم سوريين ومصريين. وعن طريقة معرفة الشباب على السماسرة قال: «إنها شبكة، هذا يقول لذاك، ويتداول الأمر، ويصبح من السهل الوصول».

لقد حالف مظلوم ورفاقه الحظ، رغم الأهوال التي لاقوا ونجوا من مصير آخرين ابتلعهم البحر، وما حادث غرق «مركب رشيد»، والذي راح ضحيته المئات أواخر سبتمبر ببعيد عن الأذهان، كان المركب يقل نحو 600 مهاجر غير شرعي قادمين من سوريا والصومال وإرتيريا ومصر والسودان، روى أقاربهم ظروفهم بكلمات تقطر دماً، تعبر عن حجم الفجيعة، معاناة فقر دفعتهم إلى ركوب الأخطار والمغامرة بحياتهم على ظهر «قارب موت».

ارتفاع معدلات

ويقول مدير المكتب القطري للمنظمة الدولية للهجرة بالقاهرة، عمرو طه لـ «البيان»، إنّ منظمته تتابع تغيرات موسمية في عدد المهاجرين المصريين غير النظاميين الذين يصلون إلى إيطاليا عبر البحر، مشيراً إلى أنّ الربع الثالث من كل عام، يشهد أعلى معدلات الهجرة، وفيما شهد الربع الأول من 2015، وصول 18 مصرياً إلى إيطاليا، شهد الربع الأول من 2016 نحو 80 مهاجراً مصرياً، من بينهم 34 طفلاً قاصراً غير مصحوب بذويه، وفق إفادته.

ويشير طه إلى أنّه، وخلال الربع الثاني من العام الجاري، تمّ تسجيل 2554 من المهاجرين المصريين قبل الذروة الموسمية، مضيفاً: «هذا في حد ذاته مؤشّر على الزيادة المتوقعة، مقارنة بكل السنوات السابقة، المصريون يهاجرون لعدد من الأسباب، بعضها اقتصادي والآخر ديموغرافي.

ويؤكّد طه على دعم المنظمة الدولية للهجرة، مصر، لمعالجة الأسباب الجذرية للهجرة، من خلال فتح قنوات للهجرة النظامية، وخلق فرص كسب العيش لمواطنيها، وتعزيز حماية المهاجرين على الأراضي المصرية، وفقاً للقانون، والالتزامات الدولية، وزيادة ملاحقة المهربين وشبكاتهم، مشيراً إلى دعم المنظمة للجنة الوطنية التنسيقية لمنع ومكافحة الهجرة غير الشرعية، في صياغة قانون الهجرة غير الشرعية ومكافحة التهريب الذي تمت إجازته مؤخّراً، ودعم تطوير استراتيجيتها الوطنية 2016-2026.

حزمة حلول

بدروها، تؤكد رئيسة اللجنة الوطنية التنسيقية المصرية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية، السفيرة نائلة جبر، في تصريحات لـ «البيان»، على ضرورة تكامل الجهود الأمنية والتنموية معاً للحد من الهجرة غير الشرعية، مؤكدة أن مصر تعتبر دولة معبر للكثيرين، لا سيما من الدول الأفريقية من أجل الهجرة إلى أوروبا، فضلاً عن كونها دولة تستقبل المهاجرين الذين فروا من بلدانهم هرباً من الصراعات، وفي ذات الوقت، دولة مصدرة للمهاجرين.

وتستعرض أبرز الجهود التي قامت بها مصر للحد من ظاهرة الهجرة، والتي كان أبرزها، إطلاق أول استراتيجية وطنية لمكافحة الهجرة غير الشرعية، وقانون مكافحة الهجرة غير الشرعية، الذي أقره البرلمان.

وتنفي جبر وجود إحصائية رسمية حول أعداد المهاجرين غير الشرعيين، سواء ممن أتوا إلى مصر أو خرجوا منها، أو من استخدموا مصر بوابة عبور إلى أوروبا، قائلة: «الهجرة غير الشرعية جريمة منظمة، من الصعوبة، معرفة الأعداد، لكن نحصل على أرقام من دول بعينها، مثل إيطاليا، حول المصريين الذين هاجروا إليها.

وقائع دامية

لا يتوانى بعض الأهالي عن بيع أراضيهم من أجل توفير المال للهجرة، فيما يبيع آخرون ما يملكون من ماشية، فضلاً عمن يرهن ممتلكاته، ومن يستدين من أجل ركوب البحر، وتحقيق حلمه في الوصول إلى أوروبا، دون النظر إلى حجم المخاطر التي سيلاقونها في الرحلة غير محسوبة العواقب.

«ابني لم يمت»

تؤمن السيدة أم تامر من محافظة الدقهلية شمالي مصر، بأن ابنها الذي مات في حادث غرق إحدى رحلات الهجرة غير الشرعية قبل سنوات، ما زال حياً حتى اللحظة، وتنتظر مهاتفة منه أو من أحد معارفه وأصدقائه الذين سافروا معه ليخبروها بمكانه، والحال نفسه ينطبق على أم وائل من المحافظة ذاتها، والتي فقدت ابنيها في العشرينيات من عمريهما في رحلة واحدة.

يقول المنيسي عن تلك الرحلة، التي كان شاهداً على بعض تفاصيلها: «كانت قبل سنوات، وراح ضحيتها 33 شاباً من محافظة واحدة، من بينهم شباب من عائلة واحدة في محافظة الدقهلية، كانوا قد دفعوا مبالغ تتراوح بين 20 إلى 30 ألف جنيه لسمسار الهجرة غير الشرعية، جمّعوها بالكاد، بعد أن باعوا كل شيء، لكن أخبارهم انقطعت بعد ذلك، وعرفنا بعد ذلك أنهم ماتوا».

دراسة

إلى ذلك، تستعرض أستاذة علم النفس ورئيس شعبة بحوث الجريمة بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، د. سميحة نصر، نتائج دراسة قامت بها حول الهجرة غير الشرعية للشباب في المجتمع المصري، والتي خلصت إلى عدد من الأسباب العامة التي تدفع الشباب للهجرة، يأتي من بينها الظروف الاقتصادية والمشاكل الأسرية، ورغبة شباب في محاكاة وتقليد آخرين نجحوا في الهجرة، وحالة الإحباط التي تتملك كثيراً من الشباب، فضلاً عن مساعي تحقيق الذات بالخارج، بعد فشل تحقيقها داخل الوطن. وكشفت عن أنّ 71 % من الشباب يحاولون تكرار تجربة الهجرة غير الشرعية مرة أخرى.

25000

أعلن وزير الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية المكلف بالهجرة والتونسيين بالخارج رضوان عيارة، أن عدد التونسيين من المهاجرين غير الشرعيين تراوح بين 22 و25 ألفاً في السنوات التي تلت الثورة، موضحاً أنّ الحكومة تمكنت من تقليص عدد المهاجرين غير الشرعيين إلى 800 بفضل التعاون والشراكة مع دول الجوار، معتبراً أن هذا العدد يبقى مرتفعاً. وربط المسؤول التونسي حل الظاهرة ببناء الثقة بين الدولة وشبابها وبرمجة الخطط الكفيلة بتوفير الشغل والتنمية.