«رأيت حلب للمرة الأخيرة»، قال أحدهم وسط صفارات الإنذار المدوية لسيارات إسعاف ورجال يبكون، وحيث سيطر شعور باليأس على الآلاف ممن تم نقلهم إلى خان العسل من آخر الأحياء التي كان يسيطر عليها المقاتلون في مدينتهم المدمرة.
وقال محمد، الأستاذ الجامعي: «كان الأمر كارثياً، أديت صلاة الفجر، كانت الأخيرة في حلب، وبكيت، لا أعرف ماذا سأفعل، الشيء الوحيد الذي افكر فيه هو أن أجد أقاربي»، معبراً بحركة من يديه عن غضبه.
وقال الشاب الذي كان يضع سترة سميكة على كتفيه ويلف رأسه بوشاح للاحتماء من البرد القارس في ديسمبر: «لقد غادرت وطني، رأيت حلب للمرة الأخيرة».
وأضاف: «كثيرون ما زالوا في حلب ينتظرون أن يأتي أحد لإنقاذ حياتهم».
ويتحرك الرجال جيئة وذهاباً مرتدين سترات غامقة الألوان ويحملون حقائب ظهر ثقيلة معلقة على اكتافهم، ولا يستطيع البعض منهم حبس دموعه. وغادر طفل يرتدي سترة زرقاء تصل إلى ركبتيه منزله مع عصافيره الموضوعة في قفص. وتوارى آخر وقد ضمدت يده وأصاب الهزال وجهه، تحت كمية من الأغطية الملونة.
بداية محنة
وفيما يقول عدد من الأشخاص إنّ محنتهم بدأت للتو، سيحاول البعض التوجه الى بيوت اقارب في المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في محافظة حلب أو محافظة ادلب المجاورة، المعقل الأخير لمقاتلي المعارضة، بينما سيلجأ آخرون لمراكز استقبال أو مخيمات للاجئين، على أن يتم نقل المصابين إلى مستشفيات في المنطقة أو إلى تركيا.
ولا تشكّل خان العسل سوى محطة، وأنزلت حقائب هؤلاء الأشخاص وامتعتهم من سيارة ثم نقلت الى حافلات صغيرة أخرى.
وبفضل الإنترنت وأجهزة الاتصال، يحتفظ مختلف المستشفيات في المنطقة وأجهزة الطوارئ بقاعدة معلومات موحدة، تمكنها من تحويل المريض مباشرة إلى المستشفى الذي يتوافر فيه سرير أو غرفة عمليات، كما قال لوكالة الصحافة الفرنسية أحمد الدبيس رئيس وحدة الأطباء والمتطوعين الذين ينسقون عملية الإجلاء، أما المقاتلون فتستقبلهم فصائلهم التي تأتي لاستعادتهم والاعتناء بهم.
شكوى خذلان
وقال المقاتل ابو احمد صلاح، ذو اللحية البيضاء الكثيفة والذي ما زال يرتدي اللباس العسكري: «خرجنا من أرضنا». وفيما ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، أضاف: «خذلنا كل الناس، إذا لم نكن يداً واحدة، سنتنقل من بيت إلى بيت، من دولة إلى دولة». ويقول ابو محمد الذي يعتمر قبعة زرقاء: «ان شاء الله نرجع نرص الصفوف ونكون تحت راية واحدة، كان عندنا أمل كبير أن يحصل فك الحصار». وقد ترجل ابو محمد الذي قطعت إحدى ساقيه بعد معارك في حلب، قائلاً: «بإذن الله سنرجع إلى حلب منصورين فاتحين».
8500
غادر نحو 8500 شخص منذ بدء عمليات الإجلاء، بينهم ثلاثة آلاف مقاتل من مناطق سيطرة الفصائل في حلب على متن حافلات مكتظة وسيارات إسعاف الى خان العسل المنطقة الواقعة في مناطق سيطرة المعارضة والتي تبعد 5 كلم فقط عن غربي ثاني مدينة في سوريا.