بعدما كانت الحكومة اللبنانية قاب قوسين أو أدنى من أن تُعلن، شهدت الساعات الماضية تصاعد عاصفة التأليف وتعقّدها مجدّداً، بحيث لم يعد يُعرف السبب الحقيقي الكامن خلف التعطيل، سواء أكان سياسياً أو مُتعلقاً بنوع وحجم التمثيل لهذا الطرف أو ذاك.

وفي المحصلة، تعثرت ولادة الحكومة مجدّداً، وتسلّلت شياطين التفاصيل إلى الحقائب الجوّالة وعدد الوزراء المتأرجح بين 24 و30، حتى أصبح اللبنانيون ينامون مساءً على حكومة ويستيقظون صباحاً على أخرى. على أن إيجابية اللمسات الأخيرة ما زالت هي الطاغية، وعدّاد الساعات ينتظر عدّ المقاعد الوزارية بين الـ24 والـ30.

وعلى هذه الصورة الملبّدة بالتعقيدات، لم تتوقع مصادر متابعة تصاعد الدخان الأبيض في المدى المنظور، إلا إذا رست المشاورات على تفاهم سياسي صلب يولّد الحكومة فوراً ومن دون استئذان أحد. علماً أن الرئيس المكلّف سعد الحريري كان خفّف الاندفاعة التفاؤلية التي شاعت في الأيام الأخيرة وتحدّثَت عن ولادة وشيكة للحكومة، حينما أعلن من القصر الجمهوري أن توليد الحكومة ما زال يحتاج الى مزيد من المشاورات. وذلك، بعدما كان منتظراً أن تبعث زيارة الحريري الى قصر بعبدا الدخان الأبيض في سماء التأليف.

وفي المعلومات، فإن الرئيس الحريري حمل إلى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون صيغة حكومية من 24 وزيراً، مع ملحق إضافي من 6 وزراء، ما يعني الذهاب إلى حكومة ثلاثينية. لكن رئيس الجمهورية فضّلَ التريّث في دراسة الصيغة، والتي خرجت في بعض الحقائب عن السياق المتّفَق عليه مسبقاً، فضلاً عن أنّ بعض الأسماء المطروحة للانضمام إلى الصيغة الثلاثينية قد تكون محلّ تحفّظ، خصوصاً من قبله. كما شدّد الرئيس عون على ضرورة احترام التوازنات التي كانت قائمة في تشكيلة الـ24، وبالتالي لا بدّ من تحسين بعض الرتوش فيها لتتوفّر فيها المواصفات التمثيلية المطلوبة.

وفي المعلومات أيضاً، فإن عملية الانتقال من 24 إلى 30 كشفت مطالب كامنة لدى بعض أصحاب هذه الفكرة في الأساس، لا لمجرّد زيادة عدد الوزراء، بل أيضاً لزيادة عدد الحقائب العائدة لهذا البعض، ممّا يؤدي إلى تعديلات واضحة في ميزان التوزيع السابق، والذي كانت قد أنجِزت على قياسه صيغة الـ24، ميثاقياً ودستورياً وسياسياً، وهو ما جعل المسألة معلّقة مرّة أخرى، لإعادة البحث في المعادلات الجديدة.

مطبّات صيغة الـ30

ويبدو أن صيغة الـ30 وزيراً، التي ارتفعت أسهمها مطلع الأسبوع الجاري، واجهت صعوبات تتصل برفض بعض القوى التمثل بوزراء دولة، وفق القاعدة التي حملها معه الرئيس المكلّف الى رئيس الجمهورية، وقوامها 24 وزيراً مع حقائب + ستة وزراء دولة. ومن بين أبرز المعترضين الرئيس برّي الذي يرفض أن يحصل على وزير دولة ثانٍ، يضاف الى ذاك المدرج ضمن حصته في تشكيلة الـ24. كما أن «الفيتو» القوّاتي على منح يعقوب الصراف حقيبة «الدفاع» ساهم في فرملة اندفاعة التشكيل. والحريري، من جهته، ليس متحمّساً كثيراً للصيغة الموسّعة وإن يكن يتفادى المجاهرة برفضها، فيما تعارضها «القوات»، خلافا لرأي الرئيس برّي و«حزب الله» اللذين يدفعان في اتجاه توسيع الحكومة. أما التيار الوطني الحرّ، فيفضّل تجنّب الحكومة الثلاثينية تفادياً للمساس بتوازن الأعداد والحقائب الذي أرسته معادلة الـ24.

وفيما علِم أن الرئيس عون حريص على تمثيل الجميع، أي أنه ليس ضدّ توسيع الحكومة، قالت مصادر مطلعة لـ«البيان» إن زيادة المقاعد لا تشكّل أيّ عائق، في حين أن زيادة الحقائب تتطلّب إعادة بحث في عملية التوزيع برمّتها حفاظاً على التوازنات، ما قد يستغرق ساعات وأياماً. ونفت المصادر نفسها أن تكون العملية قد تعقّدت بمعنى العقد، لكنها أشارت إلى أن صيغة الـ30 وزيراً هي التي عطّلت الولادة، باعتبار أنها تحتاج الى إعادة تكييف الواقع مع الإمكانات، في ضوء مطالبة جميع القوى التي يفترض أن تتمثل في هذه الصيغة بحقائب بدلاً من وزراء دولة.

فرصة

ما تبقّى من الأسبوع الجاري، مع الأسبوع المقبل، سيكون مكرّساً لمحاولة تركيب قواعد التأليف على أساس الصيغة الثلاثينية، وهي قد تكون الفرصة الأخيرة لإنجاز تشكيل الحكومة قبل الأعياد بدءاً من نهاية الأسبوع المقبل، وإلا فإن التشكيل سيذهب الى أوائل السنة الجديدة.