هؤلاء الناس عاشوا رعب حرب المدن، اختبأوا في منازلهم لأيام.. الصلاة والأعلام البيضاء هما حمايتهما الوحيدة.. بينما قاتلت القوات العراقية طوال الطريق للدخول إلى شرق الموصل وبعض يسارها ضد مقاومة داعش العنيفة.. الآن، هناك القليل فقط من المواد الغذائية والمياه والدواء.. ليس هناك كهرباء.. «الطعام» باتت كلمة مرادفة للترف، فما يأكلون لا يمكن أن يطلق عليه «طعام» لأنه بلا طعم.. رائحة «داعش» الذي اختفى من عدة أحياء لاتزال تعبق في المكان، وهناك على الأطراف «الحشد الشعبي» الذي لا يقل سوءاً.. الخيار متروك لكل الأسر أن تقرر على أي منهما تصبر وتتمسك تحت وطأته بالحياة.
الصمت يقتلهم، هكذا ابتدر الأكاديمي العراقي حيدر الشمري حديثه مع «البيان»، لا أحد الآن يتحدث عن هؤلاء الناس، مليونا شخص لم يخرج منهم سوى 70 ألفاً، الكثيرون فضلوا البقاء تحت خط النار، ألا يتساءل المجتمع الدولي عن السر، ويمضي حيدر ليقول: أتواصل مع الكثيرين داخل الموصل، أسمع صراخ الأطفال، أحس رعبهم، ولكن هم يقولون إن البقاء إلى أن تصلهم القوات العراقية أفضل من المجازفة بالخروج، فمن نجا من كمائن الإرهابيين قتلته مليشيات الحشد الشعبي.. هم يفضلون الموت داخل بيوتهم عوضاً من التعرض لإهانات عناصر المليشيات والإرهابيين قبل قتلهم، في الاتجاه ذاته يمضي أحد سكان حي عدن المحرّر أخيراً، ليقول: «تنظيم داعش مثل السحاب الأسود الذي يُثقل قلوبنا.. وقد رحل الآن»، ما زال بإمكاننا سماع القتال في مكان قريب.. ما زال الخطر قريباً.
تاريخ أسود
ويضيف الشمري: «رحل داعش من هذه الشوارع، لكن إمكانيته بإيذاء هؤلاء الأشخاص ما زالت هنا.. إذ قبل 24 ساعة، كانت هناك عائلة جالسة هنا، خارج منزلها، عندما سقطت قذيفة هاون في مكان قريب منها، وقتلت طفلة لم تكمل العام الثاني من عمرها». كان اسمها أميرة.. والدها عمر غارق في حزنه. يبكي قائلاً: «ما الذي فعلته هي لتموت؟ كانت تلعب فحسب.
أُخذت مني وهي طفلتي الوحيدة».. الحزن والخوف يسيطران على الجميع لا شيء يمنعهم من الخروج غير الخوف، هكذا يقول المحلل السياسي الشمري، لافتاً إلى أن المجتمع الدولي صامت الآن على جريمة كبيرة ترتكب بحق هذه العوائل. ويلفت الشمري إلى أن الأمر ليس مؤامرة ولكن يمكن أن نضعه في خانة الانتهازية، باعتبار أن الهدف الكلي للعملية هو هزيمة تنظيم داعش وما دون ذلك يهون، مشيراً إلى أن التعقيدات التي تحيط بمدينة الموصل هي التي دفعت المجتمع الدولي وبالتالي أجهزته للرصد والمتابعة المتمثلة في منظمات حقوق الإنسان وأجهزة الإعلام، إلى أن تغض الطرف عن انتهاكات القوات العاملة على تحرير الموصل، تتقدمها قوات الحشد الشعبي.
وذكر الشمري أن هذه القوات هي نفسها تلك التي خاضت معركة تحرير جزيرة الخالدية، وكلنا نعلم ما جرى فيها وكذلك الفلوجة.. بالتالي لا يمكن أن نقول إنها ستخوض معركة نظيفة في الموصل فهي صاحبة تاريخ أسود.
تواطؤ أميركي
ورغم أن عديداً من المصادر تتحدث عن صفقة سرية أبرمتها واشنطن مع كل من بغداد وأنقرة وموسكو تقوم بالأساس على القضاء على داعش بتقسيم الأدوار ما بين الرقة السورية والموصل العراقية هي من دفعت الجميع إلى الصمت على مشاركة الحشد الشعبي في المعارك، لكن حيدر يقول إذا كان ذلك كذلك فتلك صفقة خاسرة لأنها أرادت القضاء على «داعش» وغفلت عن استقرار العراق، ما يجري في الموصل الآن بحسبه لن يحقق استقراراً حتى بعد هزيمة الإرهابيين لأنه يتم بأيدٍ ملطخة بدماء الأبرياء ودماء الأبرياء قطعاً ستولد مزيداً من الدماء.. أما المستشار في مركز الدراسات العربية في عمّان د. يحيى الكبيسي، فيقول لـ«البيان» ، إن ما يجري يكشف زيف الحديث عن الاستقرار، ويلفت إلى أن القوات العراقية لا تسيطر حتى الآن إلا على مساحة ليست كبيرة من الموصل، وهي محصورة في الجانب الشرقي والأيسر، ومعلوم أن معقل داعش في الجانب الأيمن، وبالتالي المعركة مفتوحة لمشاركة قوات أخرى يجري تهيئة المسرح لها بإجازة قانون الحشد الشعبي، وهو القوة الطائفية المعروفة بقذارة حربها، مشيراً إلى أن إقدام البرلمان العراقي على إجازة القانون مستخدماً آلية الطرف الواحد، يمهد لرئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي لاتخاذ قرار بتغيير تصريحه السابق عن عدم مشاركة هذه القوات، باعتبارها الآن جزءاً من الجيش العراقي، كما يرفع الحرج عن العواصم الغربية التي تحدثت عن عدم مشاركة المليشيات، نظراً لتاريخها في حروب التحرير السابقة.
ويقول الكبيسي: من البداية كان التواطؤ الأميركي بمشاركة الحشد الشعبي والسكوت على جرائمه بائناً، ومرد ذلك أن واشنطن يهمها القضاء على داعش أكثر من استقرار العراق، لهذا صمتت على جرائم هذه المجموعة منذ معارك الفلوجة مروراً بالخالدية، وما نحن بصدده في الموصل أمر آخر، باعتبار أن الموصل هي معقل التنظيم الإرهابي، ولابد من طرده، لهذا نجد أن واشنطن عملت وبكل قوة - والحديث للكبيسي على تذويب خلافات الأكراد وبغداد، ومكنت القوات العراقية لأول مرة منذ عقدين أو أكثر من دخول مناطق البيشمركة واستخدامها وصولاً للموصل، وترك للحشد الشعبي أن يأتي من اتجاه مناطق تلعفر مع تحفظ التحالف على تقديم غطاء جوي له.
ويزيد: ولكن إذا نظرنا للأمر بتمعن نجد أن السلاح الذي تستخدمه قوات الحشد الشعبي كله سلاح أميركي، ما يعني بالضرورة رضا واشنطن عن دور الحشد الشعبي باعتباره قوة عسكرية ضاربة يمكن استخدامها ضد «داعش».
تداخل سوري ودور تركي
والمتحدثون عن الصفقات السرية لا يفصلون معركة الموصل عن الأزمة السورية، وخاصة الرقة، العاصمة الثانية للإرهابيين، ويقولون إن تصوراً كاملاً يقوم على إعطاء تركيا دوراً في معركة الرقة السورية، مقابل صمتها عن مشاركة الحشد الشعبي وانتهاكاته المرتكبة، وتلك المتوقعة في تلعفر والموصل من بعد، غير أن الكبيسي يرى أن تركيا أصلاً ليست مؤهلة للعب دور كبير في العراق، وأن معركتها ضد بغداد وقوات الحشد الشعبي لن تتعدى التصريحات، باعتبار أنها لا تملك قوات كافية في العراق، إضافة إلى أنها إذا أرادت التدخل فإن ذلك سيجرها إلى التوغل قرابة 200 كيلومتر في أراض حاضنة لحزب العمال الكردستاني، ما يعني دخولها في حرب استنزاف، ويضيف الكبيسي أن أنقرة ظل موقفها مما يجرى في العراق وسوريا في وضع «استشكالي»، فواشنطن أعطت دوراً، بل دربت ومولت وسلحت قوات «سوريا الديمقراطية» المعروفة بنزوعها الانفصالية وألمحت إلى إمكانية سماحها بدور تركي في معركة تحرير الرقة، وهي تعلم أن أنقرة لن تلعب ذلك الدور، وإنها ستكتفي بالتصريحات، لأن ما سيجري لقواتها في العراق ينطبق على سوريا.
تهديد وتهديد مقابل
وصورة العاصمة الإيرانية واضحة فيما يجري في الموصل، فمع انطلاق معارك الحشد الشعبي في تلعفر، والتي بدا واضحاً فيها العنف المعهود لهذه المليشيات التي تقصف المناطق بعشوائية لا تفرق فيها بين المدني والعسكري، وهو ما ظهر جلياً في المنطقة خلال الأيام الأخيرة، والتي يقول أهلها إنها تحولت إلى حمم من القذائف، بالتزامن مع ذلك، استمرت طهران وأنقرة في تبادل الرسائل العنيفة حول مستقبل الموصل، يشمل بعضها التهديد في الكواليس بقاعدة عسكرية إيرانية في القيارة جنوباً، إذا أصرت تركيا على قاعدة بعشيقة شرقاً أو تحول نفوذها مستقبلاً باتجاه تلعفر، وأن مسؤولين حكوميين أبلغوا تركيا بحساسية الموقف الإيراني تجاه القضية.
وأعلنت قوات «الحشد الشعبي» أنها حققت تقدماً سريعاً بعد ساعات من انطلاق عملياتها في المحور الغربي للموصل، في محاولة لمحاصرة تنظيم داعش وقطع آخر خطوط إمداده مع سوريا.
ووفق المصادر، فإن السيطرة على تلعفر تهدف إلى حصر عناصر تنظيم داعش داخل الموصل وإجبارهم على خوض المعركة الحاسمة في أزقة المدينة، ومنعهم من التوجه إلى سوريا، وهو ما ترفضه قيادات سنّية وكردية وأخرى أميركية وتركية، تطالب بدفع التنظيم إلى خارج الموصل، تجنباً لتدميرها. لكن الخطة الإيرانية بحسب تقارير استخبارية نشرتها مواقع أميركية، تقوم على تدمير كامل للمدينة التي يقطنها ما لا يقل عن مليوني عراقي، معظمهم من الطائفة السنية، لأنّ طهران تعلم أن مقاتلي التنظيم المتشدد على أكمل استعدادٍ لمعركةٍ طاحنة في شوارع الموصل.
شهادات
تتحدّث شهادات مدنيين في الطرف الشمالي من مدينة الموصل عن انتشار مئات الألغام داخل المنازل وخارجها. وتلاشت شهادات المدنيين أمام نداءات أطلقها مدنيون عالقون في حي الانتصار شرقي الموصل، بعد تحول منازلهم إلى نقطة سقوط القذائف المتبادلة بين القوات العراقية وتنظيم داعش الإرهابي.
