ما وقع في يونيو 2014 واحتلال تنظيم «داعش» لمدينة الموصل برهن على أن الخطر الذي تتعرض له أي منطقة في العراق تتداعى له غيرها، إذ أخطأ من توقع أن وقوع مدن عراقية بيد «داعش» وسيطرته على مساحات من الأرض العراقية يسْفر عن ضعف وتهلهل الكيان العراقي فتكون فرصة مواتية للاستفادة من هذا الظرف، وتقسيم البلد إلى دويلات ضعيفة تتكئ على قوى خارجية.
جغرافيا
ونظرة بسيطة إلى الجغرافيا السياسية العراقية، توضح أن الحدود بين إقليم كردستان وباقي مناطق العراق، التي تسيطر عليها قوات الحكومة، أصبحت شبه معدومة بعد ظهور داعش واحتلاله مساحات واسعة من العراق، بضمنها مناطق كانت قوات البيشمركة مسؤولة عن أمنها، بموجب اتفاق مع الحكومة المركزية، مثل سنجار وبعشيقة وبرطلة وغيرها.
جيران جدد
بمعنى أن هزيمة يونيو 2014، لم تكن هزيمة للجيش العراقي فقط، وإنما لقوات البيشمركة أيضاً، وخصوصاً في محاور بعشيقة وبرطلة وسنجار، إضافة إلى المناطق الأخرى المختلف عليها بين الإقليم والمركز، حيث أصبح الجيران الجدد للإقليم، من الجنوب، تنظيم «داعش»، ومن بين 1050 كيلومتراً، كانت تمثل طول الحدود بين الإقليم ومناطق العراق الأخرى، لم تبق غير 15 كيلومتراً، تحت سيطرة قلقة للقوات الحكومية، أما البقية، فأصبحت آنذاك لـ «الجيران الجدد»، أو المتنازع عليها مع الجيران الجدد.
ويرى المحلل السياسي الكردي كيلان محمد، أن زيارة وفد الإقليم برئاسة مسعود بارزاني إلى بغداد قبل انطلاقة عمليات تحرير مدينة الموصِل دليل واضح على ضرورة إيجاد التنسيق المستمر بين الإقليم والمركز في المرحلة الجديدة، كما أنه لا يوجد بديل للتوافق بين مكونات الشعب العراقي لدرء مخاطر التطرف والإرهاب ومنع تحول أي مدينة عراقية إلى معقل أو بقعة مهددة بالانشطار إلى أجزاء أخرى.
نظرة شمولية
الآن تقود القوات العراقية بجانب قوات البيشمركة معركة تحرير الموصِل، غير أن اهتمام الباحثين والمحللين ينصب في ما هو واقع ما بعد انتهاء العمليات العسكرية، إذ هل تتعامل القوات المشاركة بعقلية ضيقة ومناطقية ويحاول كل طرف توسيع مجال نفوذه وحماية مصالحه، أم أن المعطيات تحتِم على الجميع تفكيراً ونظرة شمولية والخروج من حدود دائرة المصالح الضيقة؟ بمعنى هل يتولد خطاب سياسي جديد بعد تحرير الموصل؟ وكل هذا رهن وجود إرادة سياسية تعمل في اتجاه بناء مشروع وطني بحيث يتحول إلى مظلة لكل أطياف المجتمع العراقي، كما يتطلب ذلك بناء الثقة بين الأطراف السياسية.
وعلى أرض الواقع، تخوض قوات البيشمركة، إلى جانب قوات الجيش العراقي، بمظلة دولية، حرباً شرسة ضد عدو مشترك، تحددت فيها المحاور الخاصة بجانب الكردي، وأبرزها محور «سنجار»، غرب الموصل، في جنوب محافظة دهوك، ولهذا المحور أهمية استراتيجية إذ يشكل الحد الفاصل بين مدينة الموصل والحدود العراقية السورية، حيث يسعى «داعش» إلى السيطرة لتأمين ممر إمدادات آمن بين عناصر التنظيم في كل من العراق وسوريا.
تراجع
تراجع تنظيم داعش في قضاء الحمدانية شمال شرق الموصل، بسبب تقدم قوات البيشمركة الكردية نحو الأطراف الجنوبية للقضاء، بعد معارك أسفرت عن مقتل أكثر من 200 عنصر من التنظيم، وهدف قوات البيشمركة هو التقدم باتجاه مدينة الموصل لوقف تقدم عناصر التنظيم باتجاه حدود إقليم كردستان العراق، وما يشكل عاملاً مهماً لتقدم قوات البيشمركة هو أن غالبية السكان في: زمار وسنجار وكوجلي والحمدانية من المسيحيين والأكراد والايزيديين، ما يشكل حاضنة للبيشمركة. على الخط المقابل، فإن بعض قرى ربيعة والأطراف الجنوبية والجنوبية الشرقية الغربية للموصل هي من العشائر العربية، لذا فإن سكان هذه المناطق لا يشكلون حاضنة لدخول قوات البيشمركة إلى مدنهم.