صعق من في قاعة الزبير محمد صالح يوم أن أعلن الرئيس السوداني عمر البشير صراحة أن حزبه المؤتمر الوطني سيكون صاحب النصيب الأكبر في التنازلات عن المناصب الاتحادية والولائية باعتباره المبادر بالحوار الوطني، ولم يتمالك حينها الكثير ممن كانوا حضورا يومئذ داخل القاعة أعصابهم فصدرت عنهم همهمات تداركها البشير بالقول «سوف نفسح المجال لإخواننا لإشراك أكبر قدر سواء على المستوى الاتحادي أو الولائي»، وتابع: «يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم..»، ويبدو من تلك الهمهمات التي شهدها خطاب البشير الذي كان دائماً ما تقطعه تكبيرات المؤيدين أن عباراته تلك أمطرت على من كان بالقاعة من أعضاء مجلس شوري الحزب الحاكم موجة من السخط الرافض لترك الكراسي، ونعيم المناصب.
قناعة راسخة ويبدو كذلك ان كلمات البشير تلك خيبت امالا عراضا كان قد نسجها رافضو مبادرة الحوار داخل حزبه ومما هو معلوم بالضرورة ان مبادرة الحوار الوطني ليست مجمعا عليها حتى داخل حزب المؤتمر الوطني، فهناك من لا يزال يرى من قيادات «الوطني» ان حزبهم هو الاجدر بقيادة البلاد باعتباره جاء عبر صندوق الاقتراع ولديهم قناعة راسخة برفض اي تنازل عن السلطة مهما كان الامر، لذلك عملت تلك القوى الخفية على إجهاض المبادرة في مهدها وظلت تترقب لحظة الانقضاض عليها، الى ان جاءت تصريحات زعيم حزب الامة الصادق المهدي حول قوات الدعم السريع كفرصة مواتية لذلك، حيث سعت تلك الاطراف بكل ما اوتيت من قوة لتوجيه تلك التصريحات نحو ما تريد الى ان تم اعتقال المهدي.
وما بين ليلة وضحاها اصبح المهدي المتهم الاول بانتقاص هيبة الدولة وتهديد السلام العام بعد ان كان المعارض الحليف والداعم الاول لمبادرة الحوار الوطني، وكان للرافضين داخل الحزب الحاكم ما ارادوا، حيث غادر المهدي عقب اطلاقه غاضبا الى خارج البلاد ليترك مقعده شاغرا بقاعة الصداقة لتفقد مبادرة الحوار الوطني احد اركانها المؤثرة، وتبع ذلك خروج عدد من مكونات الية الحوار المعروفة بـ (7+7) والتحاقها بالممانعين.
وبتلك الخطوات استطاع رافضو الحوار داخل الحزب الحاكم شل حركة المبادرة وتقزيم مساعيها للم الشمل السوداني في سبيل تحقيق مكاسبهم وتوجساتهم من ادخال اخرين عبر الحوار ليشاركوهم في سلطانهم، ورغم محاولات التعطيل والتعثر استطاع من رغب من القوى السياسية في الحوار الدخول في دهاليز قاعة الصداقة التي استضافت أعمال لجان الحوار الست، الى ان جاءت المخرجات النهائية لعملية الحوار والتي اقرت تشكيل حكومة وفاق وطني برئاسة البشير تعمل على انفاذ ما خرج به الحوار.
نقطة خلاف
زادت من توجسات من يقفون ضد مبدأ الحوار في السودان تصريحات الرئيس عمر البشير حول التفسح، ففكروا وقدروا ودسوا طعم الاجراءات الاقتصادية الأخيرة في مائدة البشير الذي يراهن على نجاح مبادرته، وذلك يمكن ان يشكل نقطة خلاف حاد بين حكومة المؤتمر الوطني والأحزاب الأخرى المشاركة في الحوار.