في أعقاب تقارير أظهرت ضيق الحياة وشظف العيش في قطاع غزة جراء ارتفاع كل مؤشرات الفقر والبطالة، تحرّك وللمرة الأولى منذ سنوات القطاع الخاص الفلسطيني في القطاع على نحو فاعل، مقتحماً الجمود الذي يسود الوضع، وتقديم نفسه كفاعل مجتمعي ذي وزن.
ورفض القطاع الخاص خطة روبرت سري التي تمت بموافقة إسرائيلية وفلسطينية رسمية، كما رفضها من قبل الضحايا من أصحاب البيوت والمؤسسات التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية في العدوان الأخير، والذي جعل إسرائيل تتحكم في كميات وأنواع مواد البناء ومراقبة حركة هذه المواد، بذريعة منع وصولها للمقاومة لإعادة بناء وترميم الأنفاق.
وفي إشارات صدرت عن مؤسسة مختصة، قالت إنّ عملية إعادة الأعمار تتطلب عشر سنوات على الأقل، استناداً لآلية سري، وتجربة إعادة البناء التي لم تستكمل بعد عدوان العام 2008، إذ تشهد مئات المنازل المدمرة على ذلك العدوان المدمر.
اعتقال ومنع
وشكا القطاع الخاص والتجاري في قطاع غزة من سلطات الاحتلال التي تعتقل العديد من التجار على معبر ايرز، وتضع آخرين على قوائمها السوداء، وتمنع عن البعض الحصول على تصاريح استيراد، فضلاً عن التمييز الواضح بين تاجر وآخر، إلّا أنّ شكواها الأساسية تتعلّق ببطء عملية توريد مواد البناء، حيث لا يصل لقطاع غزة يومياً أكثر من ثلاثة آلاف طن من الاسمنت، من أصل عشرة آلاف هي حاجة القطاع لإنجاز عملية إعادة الأعمار خلال فترة زمنية معقولة.
وقبل ذلك شكا القطاع الخاص مرحلة اقتصاد الإنفاق والتي شهدت صعود تجار جدد جنوا مئات الملايين من الدولارات، فيما كان التجار التقليديون يستنزفون رؤوس أموالهم، دون أن يتمكنوا من تفعيل دورهم ولو في حد أدنى، وكانت عملية التغيير تبدو وكأنها تقصد إزاحة أصحاب رؤوس الأموال التقليديين واستبدالهم بنخب جديدة.
تأسيس ائتلاف
وأسس القطاع الخاص ائتلافا واسعا تحت مسمى «اللجنة التنسيقية»، ويضم كل العاملين في القطاع الخاص والتجاري والصناعي، فضلاً عن النقابات وممثلي المجتمع المدني، لإضافة جهدهم الكبير إلى الجهد الوطني العام الذي يسعى لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وإضفاء أبعاد حقيقية ملموسة لكل الحديث النظري الاجتماعي والسياسي الذي يربط بقوة بين مخططات وسياسات الاحتلال، وتلك الناجمة عن وقوع واستمرار الانقسام.
ومن المتوقع أن يشكل هذا الجهد إضافة نوعية إلى الجهد الذي تقوم به الفصائل ومنظمات المجتمع المدني ووطنيون لإنهاء الانقسام، من أجل مقاومة الاحتلال والنضال لإنهاء الانقسام.
معاناة
ويرى المحلل السياسي طلال عوكل أن تحفز القطاع الخاص لهذا التحرك في هذا الوقت بالذات، نتيجة المعاناة الشديدة التي يواجهها رجال الأعمال والتجار جراء الإجراءات الإسرائيلية التي تتحكم في سوق التجارة وفرسانها، لاسيّما بعد أن أوقفت دوائر الاحتلال التصاريح الممنوحة لموظفي الشؤون المدنية في قطاع غزة، ما يجعل التجار فريسة التعامل المباشر كسياسة يتجه نحو فرضها الاحتلال مع سكان الأراضي المحتلة بالقفز عن السلطة ومؤسساتها، فضلاً عن الركود الاقتصادي الذي تتعمق آثاره على مصالح التجار والمزارعين والصناعيين، والإرهاق الذي تسببت فيه الضرائب التي تفرضها كل من السلطة في غزة والضفة والاحتلال، ونتيجة انغلاق آفاق تحسن الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة، في ظل استمرار الانقسام، ما يهدد المشروع الوطني الفلسطيني.
وأضاف المحلل السياسي الفلسطيني أنّ «تحرك القطاع الخاص جاء بموازاة العناوين في الأسابيع الأخيرة عن إتاحة السياسة المصرية لتخفيف الحصار على قطاع غزة، حيث تبدي مصر اهتماماً ملحوظاً وغير مسبوق بالتفاعل النشط سياسياً واجتماعياً واقتصادياً مع الفلسطينيين خصوصاً في قطاع غزة».
وأفاد عوكل بأنّ مصر تتجه نحو توسيع وتطوير معبر رفح وتحسين الخدمة فيه وتقريب فترات فتح المعبر، ما سيتيح تنشيط التجارة والتعامل الاقتصادي والإنساني والسياسي، والقفز على تداعيات وآلة الاستقطاب السياسي بين أطرافه.
وأشار إلى أنّ المؤشرات المصرية قد تكون مرشّحة في المرحلة القريبة القادمة لمزيد من الفعاليات المؤثرة، والتي تجعل من جميع فئات الشعب في قطاع غزة، يقف في مربع واحد لرفض ومقاومة استمرار الانقسام، ما يدفع صناع القرار في السلطة نحو مغادرة منطق التجاهل والتهميش، والإهمال الذي يشكو منه سكان القطاع.