خلال الساعات الأخيرة، بدا أنّ تأليف الحكومة دخل في مرحلة الجمود السلبي، حيث لم يسجّل أيّ حراك علني يصبّ في هذا الاتجاه، أو إشارات إيجابية من أيّ من المصادر المعنية بالتأليف. وعليه، تبقى الأمور ثابتة عند هذا الحدّ، ما دفع البعض إلى استبعاد ولادة حكومة الوفاق الوطني قبل عيد الاستقلال في 22 الجاري، لتجمع كل الفرقاء في سلطة إجرائية واحدة.
في ظل سباق بين مسار التشكيل الإيجابي والمطبّات التي تعترض طريق التأليف السريع، وفيما العُقد تظهر يوماً بعد يوم، فإن التأليف، الذي كان يُعتقد في البدء أنه سيكون سهلاً، يبدو أنه سيتأخر قليلاً لأسباب كثيرة.
وأبرز هذه الأسباب تعمّد بعض القوى وضع «فيتوات» على توزير قوى أخرى أو نيلها حقائب معينة. وبين الفيتوات والفيتوات المضادّة، ضاع الأسبوع الأول من التكليف وعادت الأمور تقريباً إلى المربّع الأول، بحيث لم يتمّ حتى الآن وضع قاعدة للتأليف، وهو أمر سيبحثه الرئيس المكلّف مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في الاجتماع المرتقب بينهما.
وفيما لم ينقل الرئيس المكلّف بعد إلى رئيس الجمهورية أي تصوّر للتشكيلة الوزارية، لا على مستوى الحقائب ولا على مستوى الأسماء، أشارت المعلومات التي توافرت لـ«البيان»، إلى أن الأول مستمر بزخم في اتصالاته ومشاوراته في هذا الشأن، وهو يلمس نيّة جدية للتعاون لدى جميع الأطراف، بما يساعد على تأليف الحكومة قريباً.
وهو الآن في طور استكشاف حقيقة المواقف والمطالب قبل أن يبني على الشيء مقتضاه، خصوصاً بعد الحديث المتزايد عن أنّ اتفاق التيار الوطني الحر مع «القوات اللبنانية»، خلال مرحلة دعم ترشيح عون للرئاسة، يلحظ أن تتسلّم «القوات» حقيبة سيادية، الأمر الذي يعارضه حزب الله. ولذلك، تتواصل اتصالات الرئيس المكلّف لفهم حقيقة المواقف والاتفاقات.
ومع الإشارة إلى سيناريوهات بالجملة حول طبيعة التشكيلة الحكومية، فإن توزيع الحقائب غير السيادية لا يزال خاضعاً للأخذ والرد في مسار بطيء، ما يعني أن النقاش السياسي مفتوح على خطّ التأليف الحكومي، من دون القدرة على وضع سقف زمني لاستيلاد التركيبة المرتقبة.
أما في الكواليس السياسية، فهناك خشية من أن يكون تأجيل ولادة الحكومة ذريعة لعدم إجراء الانتخابات النيابية في موعدها في مايو المقبل أو البقاء على قانون الستين.
وإذ يبدو مسار الحكومة الجديدة متأخراً عند فيتوات متبادلة من هنا، وشهيات متزايدة من هناك، غير أن الأخطر، بحسب مصادر معنية، هو أن تكون ثمة علاقة سببيّة بين الاتجاهين، لناحية أن يكون معرقلو التشكيل يهدفون إلى إحباط الإيجابيات الخارجية تجاه لبنان.. لكن تلك الفرضيات تبقى محطّ جدل وتحليل ومتابعة حتى إعلان الولادة الحكومية.
وبناءً عليه، يتبيّن أنّ كل ما يتمّ تداوله في الإعلام، من توزيع للحقائب وحسم أسماء للتوزير، غير دقيق، وكذلك حسم حصّة الأطراف من الوزارات السيادية، خصوصاً في ضوء إصرار «التيار الحرّ» و«القوات» على مبدأ المداورة في الحقائب الوزارية.
وفيما ينتظر أن تتكثّف في الساعات المقبلة التحرّكات لإنجاز التشكيلة الحكومية، برزت تغريدة لرئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط على «تويتر»، بقوله: «الطفيليّون يعرقلون مسيرة التأليف، لكن يجري التعامل معهم».
دعم عربي ودولي
في المقابل، ورغم بعض التعقيدات التي تواجه العمل المتواصل لإعلان التشكيلة الحكومية، فإن التفاؤل لا يزال يظلّل المواقف السياسية المتعدّدة، والتي تؤكد أن الحكومة ستبصر النور في الأيام القليلة المقبلة، وسط «إيمان بمستقبل لبنان»، أكده رئيس الجمهورية مستنداً إلى برقيات التهنئة والدعم التي تلقاها من العالمين العربي والدولي، آملاً أن تتمكن الحكومة والعهد من تحقيق الإنجازات لتعويض ما خسره لبنان.
عون إلى الرياض
وفي انتظار ما قد يحمله الأسبوع الجديد من تطورات على صعيد التأليف الحكومي، تردّدت معلومات مفادها أن رئاسة الجمهورية بدأت التحضير لأول رحلة خارجية يقوم بها رئيس الجمهورية إلى العاصمة السعودية، وذلك في ظلّ تقديرات بأن يتمّ تحديد موعدها النهائي بعد الانتهاء من عملية التأليف الحكومي والتقاط الصورة التذكارية ونيل الحكومة ثقة المجلس النيابي.
وفي ظلّ الانشغال في تأليف الحكومة، كان لافتاً الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس المكلّف سعد الحريري بالرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، أول من أمس، وتمّ خلاله عرض سريع للعلاقات اللبنانية - الأميركية وآفاق التعاون بين لبنان والإدارة الأميركية الجديدة، وتمّ الاتفاق على متابعة التواصل والتشاور «لما فيه مصلحة البلدين والشعبين، والصداقة بينهما».
معطيات وأرقام
رغم حسم شكل الحكومة بحجمها الثلاثينيّ، فإنّ العقدة المستعصية لا تزال تدور حول الحصص. وتمّ التداول في أوساط الجميع بالطرح التالي: ثلاثة وزراء مسيحيين حصة رئيس الجمهورية، وأربعة وزراء لـلتيار الوطني الحرّ، وثلاثة لـ«القوات»، إضافة إلى توزير ميشال فرعون إلى جانب وزيرين مسيحيان للحريري، ومقعد وزاري لحزب الكتائب وآخر لتيار المردة.
أما حصة حزب الله وحركة أمل، فمحسومة بستة وزراء، إلى جانب ستة للسُنّة، وثلاثة دروز، وتوزير النائب طلال أرسلان. وتبقى العقدة الأكثر استعصاءً، والتي قد يطول حالها وتتطلّب تكثيف المشاورات، تبقى على خط التيار الوطني الحرّ و«القوات».