بعد شغور استمرّ قرابة سنتين ونصف، ومعركة سياسية بدأت عملياً قبل ستة شهور من انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان (25 مايو 2014)، انتخب النائب العماد ميشال عون في 31 أكتوبر الفائت ليكون الرئيس الثالث عشر للجمهورية اللبنانية، ليبدأ عهدٌ لا يريده رئيسه تقليدياً، بل مثقلاً بشعارات كبرى، إصلاحاً وتغييراً، مع يقينه بأن النيّات وحدها لا تكفي لصنع الإنجازات. وباليد الممدودة، فتِح العهد الجديد، فأقفِلت صفحات وانتهت قراءات، وبات الجميع يقرأ من خطاب القسَم، والذي وحّد المقسّمين في الإشادة والتفاؤل.
وبدأت مرحلة جديدة في قلب المعركة الديمقراطية، وفي خلط الأوراق السياسية في البلد. ولأن زمن الشغور تسبّب في تفاقم الأزمات، التي طاولت السلطتين التشريعية والتنفيذية، بدا الرئيس عون، منذ لحظة وصوله إلى القصر الجمهوري، الذي عادت الحياة السياسية لتدبّ في أرجائه، وحيث تسلّم صلاحيته الدستورية، توّاقاً إلى تحقيق إنجازات سريعة فور انتهاء عملية إعادة تكوين السلطة، بدءاً من الحكومة، ربطاً بالآليات الزمنية والدستورية التي يتطلّبها الانتقال من مرحلة إلى أخرى، في سياق إعادة استنهاض مؤسّسات الدولة. وذلك، في سياق أولويّات يمكن اختصارها بالترتيب الآتي: تكليف سعد الحريري، ترجمة للاستشارات النيابية الملزمة، تأليف الحكومة الجديدة، وضع قانون انتخاب عصري وعادل، وإجراء الانتخابات النيابية في موعدها.
ولعلّ المهمة الأصعب التي ستواجهه تتلخّص في كيفيّة التوفيق بين الالتزامات التي رتّبتها عليه التفاهمات التي عقدها مع أطراف تتعارض في كلّ شيء (حزب الله، والقوات اللبنانية، وتيار المستقبل)، لكنها التقت حول تأييد ترشيحه للرئاسة، كلٌّ لأسبابه، ما يتطلّب منه، بحسب إجماع مصادر سياسية متعدّدة، أن يحاول «تأميم» الإنجاز الرئاسي وإهداءه إلى الجميع. وهناك من يعتقد أنّ رئيس الجمهورية، الذي وعد اللبنانيين بـ«بناء دولة على الصخر»، لن يتأخّر في التقاط المبادرة ومحاولة نفخ الروح في الجسد السياسي، ووضع القوى السياسية أمام لحظة المسؤولية التي تتطلّب تنازلات متبادلة، وصولاً إلى وضع البلد على السكّة المؤدّية إلى برّ الأمان السياسي والأمني والاقتصادي والمعيشي والمالي.
التكليف الجامع
والبداية من التكليف الذي حسِم للرئيس الحريري، قبل أن تبدأ مرحلة التأليف، مع التركيز حول المدى الزمني الذي ستستغرقه ولادة الحكومة. علماً أن العمر الفعلي للحكومة الـ25 منذ بداية الاستقلال، والـ74 في تاريخ الجمهورية اللبنانية، هو بضعة شهور، لن يزيد على شهر مايو المقبل، موعد إجراء الانتخابات النيابية. فهل إن التكليف الحكومي للرئيس الحريري سيكون في إطار جامع للمراجع اللبنانية نحو حكومة كل لبنان لينجح العهد وينفّذ خطاب القسم؟.. المحافل السياسية فيها رأيان: الأول يقول إن التشكيل الحكومي سيكون سريعاً، مثل الانتخاب الرئاسي والتكليف. أما الثاني، فيعتقد أن عملية التشكيل ستطول، وأن الانتخابات النيابية ستكون داهمة.
وإذ لا مهلة دستوريّة تقيّد رئيس الحكومة المكلّف تشكيل الحكومة، وهذه الثغرة يُعاد التذكير بها مع كل حكومة جديدة، فإن المهلة السياسية تبدو هي الأهم. وأبرز الإشارات لذلك، صدرت على لسان الحريري نفسه، الذي أعلن أنه أنجز مسوّدة البيان الوزاري. وهو بيان لن يكون بحاجة إلى مهلة الشهر التي ينصّ عليها الدستور، بعدما استعان بقاموس رئيسي الوزراء السابقيْن: نجيب ميقاتي وتمام سلام، لا سيما في ما يتعلق بالنأي بالنفس والمقاومة. وهو، بحسب ترجيح مقرّبين منه، سيعتمد خيار «الواقعية السياسية» في مقاربة مرحلة ما بعد التكليف سواء على مستوى التأليف أو على مستوى التعامل مع الملفّات السياسية المعقّدة.
علاقة باردة
يتطلّع الجميع إلى تطوّر العلاقة، أو برودتها، بين الرئيس ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه برّي. وفي ضوء تطوّر هذه العلاقة، سلباً أم إيجاباً، تتحدّد الصورة التذكارية لحكومة العهد الأولى. علماً أنه من السابق لأوانه التكهّن بما يمكن أن تكون عليه هذه الصورة، فـ«الجهاد الأكبر»، وفق توصيف برّي، سيكون في مقرّ المجلس النيابي لاحقاً، مع استشارات التأليف، ومن بعدها البيان الوزاري.
ومع ذلك، رجّحت مصادر متابعة أن تنسحب «المرونة» في الانتخاب على التأليف في ظل رغبة كل الأطراف في عدم التحوّل حجر عثرة أمام العهد الجديد في انطلاقته. وإلى ذلك الحين، فإن الجميع يبدون حرصهم التامّ على موقع برّي في أيّ معادلة في الحكم.
