الولايات المتحدة الأميركية وإيران، خصمان يجمعهما خصم واحد، وتُفرّق بينهما المصالح ومناطق النفوذ، وينطبق هذا بشكل خاص على الوضع في العراق، ويتجسد بشكل أكبر في معركة الموصل، حيث تعترض الولايات المتحدة، والتحالف الدولي عموماً على مشاركة الميليشيات الشيعية الموالية لإيران في المعارك، فيما تصر الميليشيات المدعومة من الحكومة العراقية أيضاً على المشاركة، بل وتخطي الحدود باتجاه سوريا، وهو ما يثير غضب الدول العربية، إضافة إلى تركيا، التي ترى وصول الحشد الشيعي إلى منطقة تلعفر التركمانية تجاوزاً للخطوط الحمر.
ويقول مراقبون، إن ميليشيات الحشد تحاول فتح «طريق آمن» للتدخل الإيراني المباشر في سوريا، وخصوصاً من منطقة تلعفر، الأمر الذي تُحذّر منه قوات التحالف الدولي، وتركيا التي قد تتدخل عسكرياً، في حال حدوث انتهاكات معتادة من الحشد الشعبي، ضد التركمان، أو أي محاولة للتغيير الديموغرافي، الأمر الذي ينذر بحرب تركية – إيرانية، على الأراضي العراقية، تكون نتائجها في كل الأحوال ضد التحالف الدولي، وخصوصاً أميركا، «المتهمة» بالسكوت على انتهاكات «ميليشيات داعش الشيعية» في مختلف المناطق التي تمت استعادتها من داعش، والمناطق الأخرى، بما فيها العاصمة بغداد، التي شهدت وتشهد أوسع عملية تطهير عرقي وتغيير ديموغرافي في المناطق السنية، وصل حد الإبادة.
خلافات ظاهرية
ويشير المراقبون إلى أن أميركا، رغم الخلافات الظاهرية مع إيران، لم يكن باستطاعتها غزو العراق واحتلاله، من دون دعم إيران والميليشيات الموالية لها، ولولا هذا الدعم لما استطاعت تأمين وجودها ومصالحها في العراق، وبمقابل ذلك، كان هناك تحالف أميركي إيراني شيعي، ضد كل فصائل المقاومة للاحتلال الأميركي، وخلط أوراقها، وجمعها تحت مسمى «القاعدة»، ما أدى إلى اطمئنان أميركي لتسليم مفاتيح الأمور إلى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي سرعان ما كشف عن وجهه الإيراني، وتنفيذ تمدده على حساب المصالح الأميركية والشعب العراقي.
ومع ظهور داعش «بقدرة مقتدر»، ظهرت من جديد الحاجة الأميركية للميليشيات الشيعية، وحاجة أصحاب الشأن في العراق إلى الدعم الأميركي والدولي، إلا أن الإعلان الصريح عن التدخل الإيراني، والانتهاكات والمجازر التي ارتكبتها الميليشيات، أبرزت بشكل واضح الوجه الطائفي المستفز للشعب العراقي، ولدول الخليج العربي، والمنطقة عموماً، ما دفع الجانب الأميركي إلى الطلب من الحكومة العراقية، وقف الميليشيات عند حدودها، وعدم إشراكها في المعارك التي يخوضها الجيش في المناطق السنية، لاسيما وأن الحشد الشعبي تشكل على أساس «حماية الأماكن المقدسة»، وليس التمدد والغزو للمناطق السنية، إلا أن رد رئيس الحكومة حيدر العبادي كان الاعتراف بالميليشيات كمكون من تشكيلات القوات المسلحة العراقية، ما دفع الجانب الدولي إلى رفع الغطاء الجوي عن تلك الميليشيات.
تسلل
ويشبه المحلل السياسي صباح هجول إصرار الحكومة العراقية على إشراك الحشد في معركة الموصل، بما حدث في سوريا، إذ ذهبت الميليشيات متعددة الجنسيات لحماية مقام السيدة زينب في دمشق، لكنها وصلت إلى حلب، لدعم النظام السوري.
وفي قراءة للوضع من محللين سياسيين يقول د. جاسم الشمري، إن مواقف الحكومة العراقية المعلنة، تأتي ضمن سياق إثبات الذات، إذ إن الولايات المتحدة هي المتحكم الرئيس في الساحة العراقية، ومن بعدها تأتي إيران.
ويوضح أن «العبادي خرج بتصريحاته الأخيرة حتى يثبت للجمهور أن الحكومة موجودة وهي التي تسير المعارك، لكن الواقع غير ذلك، فالقوات العراقية لا يمكنها أن تخوض المعارك دون التغطية الجوية لطيران التحالف الدولي».
صراع
وعن إمكانية وجود صراع بين أميركا وإيران في عمليات الموصل، يقول الشمري إنه لا يمكن أن نؤمن أن ثمة صراع بين أميركا وإيران بشأن العراق، فمنذ تصريحات إيران عام 2003 بأنها هي التي سهلت احتلال أميركا للعراق، لم نشهد تناحراً بينهما.
ويعرب الشمري عن اعتقاده بأن الاتفاق النووي الإيراني مع أميركا قد يكون فيه جزء متعلق بالعراق.
تحذير
حذّر رئيس أركان الجيوش الأميركية مارتن ديمبسي من احتمال تفكك الائتلاف الدولي ضد داعش، إذا لم تقم الحكومة العراقية بتسوية الانقسامات الطائفية في البلاد. وقال «ينتابني بعض القلق إزاء صعوبة إبقاء الائتلاف للمضي في مواجهة التحدي ما لم تضع الحكومة العراقية استراتيجية وحدة وطنية سبق أن التزمت بها». وأضاف أن التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة يضم دولاً سنية بشكل خاص، وعلاقات بغداد مع طهران باتت تثير القلق. وأكد ديمبسي أنه سينقل إلى المسؤولين قلقه حيال تنامي النفوذ الإيراني عبر الفصائل الشيعية المشاركة في المعارك.